دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
سِلْسِلَةُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ: تَارِيخُ تَمَرُّدِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ الجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَجَعَلَ لِلْبَشَرِ خِلَافَةَ الأَرْضِ بِالحَقِّ وَالِاسْتِقْرَارِ، سُبْحَانَهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ العَظِيمَةُ المَلِكُ المَعْبُودُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلَاحِمِ الأَنْوَرِ، وَالسِّرِّ الأَظْهَرِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالبَصَائِرِ الثَّاقِبَةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ الفَاحِصَ فِي سِلْسِلَةِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ وَتَارِيخِ تَمَرُّدِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ لَيْسَ تَرَفاً عِلْمِيّاً يُمْكِنُ التَّغَاضِي عَنْهُ، بَلْ هُوَ بَابٌ مَتِينٌ يَجِبُ عَلَى طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ فَتْقُ أَبْوَابِهِ. إِنَّ فَهْمَ الجُذُورِ التَّارِيخِيَّةِ لِعِصْيَانِ طَوَاغِيتِ الجِنِّ السُّفْلِيِّ يَمْنَحُ المُعَالِجَ رُؤْيَةً عَمِيقَةً لِطَبِيعَةِ عِنَادِهِمْ وَطَرِيقَةِ صِيَاغَتِهِمْ لِلْأَسْحَارِ العَقِيدَةِ. وَتَنْبِيهُنَا الرَّاسِخُ المَعْهُودُ أَنَّ هَذِهِ الحَقَائِقَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ حِفْظاً لِلْعَقِيدَةِ وَالبَدَنِ مِنَ الزَّلَلِ.
نُشُوءُ التَّمَرُّدِ السُّفْلِيِّ فِي حِقَبِ التَّارِيخِ القَدِيمِ
إِنَّ التَّأْصِيلَ البَاطِنِيَّ لِتَارِيخِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ يَعُودُ إِلَى حِقَبٍ سَحِيقَةٍ قَبْلَ خَلْقِ الإِنْسَانِ، حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ قَبَائِلُ الجِنِّ فِي الأَرْضِ، فَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ وَأَفْسَدُوا فِي أَرْجَائِهَا. هَذَا الفَسَادُ الأَوَّلُ وَلَّدَ انْقِسَاماً صَارِماً؛ حَيْثُ طُرِدَتْ الفِئَاتُ العَاتِيَةُ الَّتِي رَفَضَتْ الِانْصِيَاعَ لِلْحَقِّ إِلَى جُحُورِ الأَرْضِ العَمِيقَةِ، وَأَغْوَارِ البِحَارِ، وَأَمَاكِنِ الخَرَابِ. هُنَاكَ، تَأَسَّسَ مَا نُسَمِّيهِ اليَوْمَ بِـ “العَالَمِ السُّفْلِيِّ”، وَاتَّخَذَ المَرَدَةُ الكِبَارُ وَالعَفَارِيتُ النَّارِيَّةُ مِنَ العِصْيَانِ مَنْهَجاً ثَابِتاً، وَطَوَّرُوا آلِيَّاتٍ طَاقِيَّةً لِبَثِّ الشُّرُورِ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى عُنْصُرِ الظَّلَامِ وَالنَّجَاسَاتِ لِتَثْبِيتِ عُرُوشِهِمْ المَلْعُونَةِ بَعِيداً عَنْ أَنْوَارِ الفِطْرَةِ.
عَلَاقَةُ التَّارِيخِ السُّفْلِيِّ بِصِنَاعَةِ الأَسْحَارِ المُرَكَّبَةِ
عَبْرَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ الروحيِّ، حَاوَلَ قَادَةُ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ مَدَّ نُفُوذِهِمْ إِلَى عَالَمِ البَشَرِ، خُصُوصاً فِي عَهْدِ سَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ حُبِسُوا وَقُيِّدُوا بِالأَغْلَالِ بِسُلْطَانٍ إِلَهِيٍّ قَاطِعٍ. بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ، انْبَثَقَتْ خِطَطُ التَّمَرُّدِ السُّفْلِيِّ لِتَعْتَمِدَ عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ الأَسْوَدِ لِلْإِنْسِ المَغْدُورِينَ كَوَسِيلَةٍ لِلِانْتِقَامِ. تَرْتَكِزُ طَبِيعَةُ المَارِدِ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ عَلَى بِنَاءِ الحُصُونِ العَمِيقَةِ التُّرَابِيَّةِ الَّتِي تَحْمِي خَادِمَ السِّحْرِ، بَيْنَمَا يَتَوَلَّى العِفْرِيتُ تَجْدِيدَ الأَذَى بِسُرْعَتِهِ النَّارِيَّةِ. هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ هِيَ الَّتِي تُفَسِّرُ عِنَادَ العَارِضِ السُّفْلِيِّ دَاخِلَ الأَبْدَانِ، حَيْثُ يَرَى بَقَاءَهُ دَاخِلَ جَسَدِ المَسْحُورِ جُزْءاً مِنْ حَرْبِهِ التَّارِيخِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ ضِدَّ بَنِي آدَمَ.
فِرَاسَةُ كَشْفِ جُذُورِ العِصْيَانِ أَثْنَاءَ غُرْفَةِ التَّشْخِيصِ
إِنَّ مِيزَانَ التَّشْخِيصِ المَلَكِيِّ الأَصِيلِ، الَّذِي هُوَ عِمَادُ مَدْرَسَتِنَا النَّاصِعَةِ، يُعَلِّمُ طَالِبَ العِلْمِ كَيْفَ يَقْرَأُ رُتْبَةَ هَذَا التَّمَرُّدِ التَّارِيخِيِّ المَكْتُومِ دَاخِلَ الدَّمِ. عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِ القَهْرِ وَالحَرْقِ، يَنْكَشِفُ عِنَادُ المَارِدِ السُّفْلِيِّ عَلَى شَكْلِ ثِقَلٍ جَامِدٍ وَتَحَجُّرٍ صَلْبٍ يَقْبَعُ فِي فَقَرَاتِ العَمُودِ الفِقْرِيِّ وَأَسْفَلِ الظَّهْرِ، كَأَنَّ ثَمَّةَ كُتْلَةً مِنَ الرَّصَاصِ تَحْبِسُ حَرَكَةَ المَرِيضِ. أَمَّا العِفْرِيتُ، فَيَظْهَرُ أَثَرُ تَمَرُّدِهِ فِي اهْتِزَازَاتٍ سَرِيعَةٍ وَمُضْطَرِبَةٍ فِي أَطْرَافِ البَدَنِ مَعَ رَفِيفٍ حَادٍّ فِي أَجْفَانِ العَيْنَيْنِ لَا يَقْدِرُ المَصَابُ عَلَى دَفْعِهِ. هَذِهِ الدَّلَائِلُ البَدَنِيَّةُ هِيَ التَّقْرِيرُ الطَّاقِيُّ الذِي يُثْبِتُ أَنَّ العَارِضَ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ قَاعِ الهَرَمِ السُّفْلِيِّ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِسِلْسِلَةِ التَّمَرُّدِ الأَرْضِيِّ
فِي مَقَامِ الرُّؤَى، تَتَجَسَّدُ مَخَاوِفُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ وَتَارِيخِ تَمَرُّدِهِمْ عَلَى شَاشَةِ النَّوْمِ لِلْمَصَابِ بِأَشْكَالٍ غَايَةٍ فِي الرُّعْبِ. يَرَى المَسْحُورُ نَفْسَهُ دَائِمَاً تَائِهاً وِسْطَ سَرادِيبَ أَمْوَاتٍ عَتِيقَةٍ مَهْجُورَةٍ، أَوْ يَرَى أَشْخَاصاً ذَوِي أَحْجَامٍ عِمْلَاقَةٍ شَدِيدِي السَّوَادِ يُقَيِّدُونَ جَسَدَهُ بِأَغْلَالٍ ثَقِيلَةٍ. كَمَا يَتَكَرَّرُ لَدَيْهِ كَابُوسُ الجَاثُومِ العَنِيدِ الذِي يَجْلِسُ فَوْقَ صَدْرِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ النُّطْقِ أَوْ الِاسْتِيقَاظِ، نَتِيجَةَ انْضِغَاطِ هَيْكَلِ المَارِدِ أَوِ العِفْرِيتِ الطَّاقِيِّ فَوْقَ جَسَدِ المَرِيضِ الأَثِيرِيِّ أَثْنَاءَ غَفْلَتِهِ عَنِ الأَوْرَادِ، وَهِيَ دَلَائِلُ تُثْبِتُ عُمْقَ التَّعْطِيلِ التَّارِيخِيِّ المَفْرُوضِ عَلَى حَيَاتِهِ.
اسْتِرَاتِيجِيَّةُ الدَّكِّ النُّورَانِيِّ لِإِخْمَادِ عِصْيَانِ الخَفَايَا
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَتِنَا لَا يُحَارِبُ هَذَا التَّمَرُّدَ بِالعَجَلَةِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى اسْتِقْصَاءِ “دَكِّ الحُصُونِ مِنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّةِ. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِقَطْعِ المَدَدِ الخَارِجِيِّ عَبْرَ أَمْرِ الطَّهَارَةِ الصَّارِمَةِ لِلْمَرِيضِ وَبَيْتِهِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَقَامَ الصَّدْمَةِ النُّورَانِيَّةِ بِقِرَاءَةِ سُوَرِ القَهْرِ وَالحَرْقِ العُظْمَى (مِثْلَ سُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَسُورَةِ الجِنِّ، وَسُورَةِ قَافْ) بِنَفَسٍ طَوِيلٍ وَثَبَاتٍ نَفْسِيٍّ صَارِمٍ. عِنْدَئِذٍ، تَتَحَوَّلُ ذَبْذَبَاتُ المَارِدِ التُّرَابِيَّةِ البَارِدَةِ إِلَى قُيُودٍ نَارِيَّةٍ تَحْرِقُ كِيَانَهُ دَاخِلَ مَجْرَى الدَّمِ، وَيَذُوبُ كِبْرُهُ التَّارِيخِيُّ أَمَامَ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى المَلَكِيَّةِ، فَلَا يَجِدُ مَفَرّاً مِنَ الِانْصِيَاعِ وَالخُرُوجِ صَاغِراً هَارِباً أَوْ الهَلَاكِ المَحْتُومِ بِسُلْطَانِ الحَقِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَانْكِسَارِ طَوَاغِيتِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ السَّابِعَ عَشَرَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ بَيْرَقِ النَّصْرِ وَاليَقِينِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المُبَارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ سِلْسِلَةُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ فِي القُوَّةِ، وَمَهْمَا كَانَ تَارِيخُ تَمَرُّدِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ طَوِيلاً فِي صِنَاعَةِ التَّعْطِيلِ وَحِصَارِ الأَبْدَانِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ جَمِيعاً يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا المَدَدُ الذِي يَسْتَمِدُّونَ مِنْهُ سُلْطَتَهُمْ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ تَهَاوَتْ عُرُوشُهُمْ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment