دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
مَا هُوَ العَالَمُ السُّفْلِيُّ؟ حَقَائِقُ وَأَسْرَارُ طَبَقَاتِ الجِنِّ السُّفْلِيِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ العِلْمِ الرُّوحَانِيِّ المَبْنِيِّ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَسْتَلْزِمُ مِنَ الطَّالِبِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ نَاصِعَةٍ بِأَحْوَالِ الخَلْقِ خَفِيِّهِمْ وَجَلِيِّهِمْ. وَإِنَّ خَفَايَا العَالَمِ السُّفْلِيِّ لَيْسَتْ لِلْهَوِ وَالتَّسْلِيَةِ، بَلْ هِيَ مَعْرِفَةٌ صَارِمَةٌ لِأَجْلِ تَمْكِينِ المعَالِجِ وَالسَّالِكِ مِنْ فَهْمِ مَرَاتِبِ الأَذَى وَكَيْفِيَّةِ صَدِّهِ بِالحُصُونِ الإِلَهِيَّةِ المَتِينَةِ. وَتَنْبِيهُنَا الصَّارِمُ المَعْهُودُ أَنَّ هَذَا العِلْمَ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِالمُشَافَهَةِ مِنْ صُدُورِ المَشَايِخِ الثِّقَاتِ لِتَمْنَعَ عَنْ نَفْسِكَ التَّخَبُّطَ وَالزَّلَلَ.
تَعْرِيفُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ فِي المَفْهُومِ الروحيِّ
العَالَمُ السُّفْلِيُّ هُوَ هَيْكَلٌ بَرْمَجِيٌّ وَطَبَقِيٌّ مَعْقُودٌ لِسُكَّانِ الأَرْضِ مِنْ شَيَاطِينِ الجِنِّ وَمَرَدَتِهِمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنَ العِصْيَانِ وَأَمَاكِنِ النَّجَاسَاتِ وَالظُّلُمَاتِ مُسْتَقَرَّاً لَهُمْ. هَذَا العَالَمُ لَا يَقَعُ تَحْتَ أَبْصَارِ البَشَرِ، لَكِنَّ طَاقَتَهُ السَّلْبِيَّةَ وَأَثَرَهُ الخَبِيثَ يَمْتَدَّانِ لِيُسَبِّبَا الِاعْتِلَالَ فِي أَبْدَانِ الإِنْسِ وَعُقُولِهِمْ إِذَا غَفَلُوا عَنِ الأَذْكَارِ. تَتَمَيَّزُ كَائِنَاتُ هَذَا العَالَمِ بِالعِنَادِ الشَّدِيدِ وَالقُدْرَةِ العَالِيَةِ عَلَى التَّخَفِّي، وَيَعْتَمِدُونَ فِي تَحَرُّكَاتِهِمْ عَلَى بَثِّ الوَسَاوِسِ وَعَقْدِ السِّحْرِ السُّفْلِيِّ الأَسْوَدِ الَّذِي يُبْنَى عَلَى دَنَاءَةِ الطَّبَائِعِ وَمُخَالَفَةِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهَا.
الهَرَمِيَّةُ وَالتَّسَلْسُلُ فِي طَبَقَاتِ الجِنِّ السُّفْلِيِّ
إِنَّ النَّظْرَةَ العَامِيَّةَ تَظُنُّ أَنَّ الجِنَّ السُّفْلِيَّ كُلَّهُ سَوَاءٌ، وَهَذَا جَهْلٌ يَقَعُ فِيهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعُونَ العِلَاجَ. الحَقِيقَةُ البَاطِنِيَّةُ تَقُولُ أَنَّ هَذَا العَالَمَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَرْتِيبٍ هَرَمِيٍّ صَارِمٍ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ فِيهِمْ أَنْ يَتَجَاوَزَ رُتْبَتَهُ. تَبْدَأُ هَذِهِ الطَّبَقَاتُ مِنْ صِغَارِ الخُدَّامِ وَالعُمَّارِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ أَمَاكِنَ الهَجْرِ وَالفَرَاغِ، وَتَتَصَاعَدُ قُوَّةً وَشِدَّةً حَتَّى تَصِلَ إِلَى طَبَقَةِ الشَّيَاطِينِ النَّفَّاثَةِ، ثُمَّ يَعْلُو الأَمْرُ إِلَى رُتْبَةِ العَفَارِيتِ الَّتِي تَمْلِكُ طَاقَةً نَارِيَّةً أَوْ تُرَابِيَّةً مَاهِرَةً فِي التَّشَكُّلِ وَالانْتِقَالِ، وَفِي قِمَّةِ هَذَا الهَرَمِ المَلْعُونِ تَسْتَقِرُّ طَبَقَةُ المَرَدَةِ العُظَمَاءِ الَّذِينَ يَقُودُونَ الجُيُوشَ السُّفْلِيَّةَ وَيُشْرِفُونَ عَلَى عَقْدِ الحُصُونِ العَنِيدَةِ دَاخِلَ جَسَدِ المَسْحُورِ.
أَمَاكِنُ التَّمَرْكُزِ وَالخَصَائِصُ الطَّاقِيَّةُ
يَتَغَذَّى العَالَمُ السُّفْلِيُّ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مُظْلِمٌ وَمَهْجُورٌ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ قَبَائِلَ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ تَتَّخِذُ مِنَ المَقَابِرِ المَنْسِيَّةِ، وَأَغْوَارِ البِحَارِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ السَّحِيقَةِ مَرَاكِزَ لِقُدْرَاتِهِمْ. الطَّاقَةُ السُّفْلِيَّةُ هِيَ طَاقَةٌ بَارِدَةٌ مَيِّتَةٌ، عِنْدَمَا تَقْتَرِبُ مِنْ جَسَدِ الإِنْسَانِ تُسَبِّبُ لَهُ الخُمُولَ الثَّقِيلَ، وَبُرُودَةَ الأَطْرَافِ، وَالضِّيقَ الشَّدِيدَ فِي الصَّدْرِ خُصُوصَاً عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فَهْمُ هَذِهِ المَرَاكِزِ وَالخَصَائِصِ هُوَ السِّلَاحُ الأَوَّلُ لِلطَّالِبِ لِكَيْ يَعْرِفَ نَوْعَ العَارِضِ الَّذِي يُحَاصِرُ الحَالَةَ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ رَسْمِ خِطَّةِ التَّطْهِيرِ المُبَارَكَةِ.
كَيْفَ يَتَمَّ التَّشْخِيصُ وَكَشْفُ خَفَايَا النُّفُوذِ السُّفْلِيِّ؟
إِنَّ فِرَاسَةَ التَّشْخِيصِ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى الظَّنِّ، بَلْ عَلَى عَلَامَاتٍ جَسَدِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ صَرِيحَةٍ. عِنْدَمَا يَتَسَلَّطُ خَادِمٌ سُفْلِيٌّ عَلَى بَدَنٍ مَا، يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي سَوَادٍ خَفِيفٍ تَحْتَ العَيْنَيْنِ، وَنُفُورٍ تَامٍّ مِنَ النَّاسِ، وَرُؤْيَةِ كَوَابِيسَ مُتَكَرِّرَةٍ لِلْقُبُورِ أَوْ السُّقُوطِ مِنْ أَمَاكِنَ شَاهِقَةٍ. وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا النُّفُوذِ أَنْ يَمْتَدَّ إِلَّا إِذَا وَجَدَ ثَغْرَةً فِي تَحْصِينِ الإِنْسَانِ، مِثْلَ تَرْكِ الصَّلَاوَاتِ أَوْ الِاسْتِسْلَامِ لِلْغَضَبِ الشَّدِيدِ. المعَالِجُ الذَّكِيُّ يَسْتَمِعُ إِلَى نَبْضِ الحَالَةِ وَيَتَأَمَّلُ نَظَرَاتِ عَيْنَيْهَا لِيَعْرِفَ عُمْقَ الطَّبَقَةِ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا العَارِضُ، لِأَنَّ عِلَاجَ طَبَقَةِ العُمَّارِ يَخْتَلِفُ تَمَامَاً عَنْ دَفْعِ أَذَى طَبَقَةِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ العَنِيدَةِ.
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ وَالحِفْظُ الإِلَهِيُّ
فِي نِهَايَةِ هَذَا المَتْنِ الأَوَّلِ، نُؤَكِّدُ لِكُلِّ طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ أَنَّ العَالَمَ السُّفْلِيَّ بِكُلِّ جُيُوشِهِ وَرُتَبِهِ الطَّاغِيَةِ لَا يَمْلِكُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنَ القُوَّةِ أَمَامَ أَنْوَارِ آيَاتِ اللهِ الحَكِيمِ. الخَوْفُ هُوَ جِسْرُهُمْ الأَوَّلُ نَحْوَكَ، فَإِذَا امْتَلَأَ قَلْبُكَ بِاليَقِينِ وَالتَّوْحِيدِ، ذَابَتْ حُصُونُهُمْ وَأَصْبَحُوا كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ. اجْعَلْ نَفْسَكَ دَائِمَاً فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَتَمَسَّكْ بِأَوْرَادِكَ النُّورَانِيَّةِ لِتَكُونَ قَلْعَةً حَصِينَةً لَا تَقْرَبُهَا أَقْدَامُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ حِرْزٌ، وَالكِتْمَانَ بَرَكَةٌ، وَالحَذَرَ وَاجِبٌ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَامَاً وَتَدُومَ نِعْمَةُ الحِفْظِ الرَّبَّانِيِّ.
Leave A Comment