دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
الفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَالمَارِدِ وَالعِفْرِيتِ فِي التَّشْخِيصِ الروحيِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَالِقِ المَلَائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالجِنِّ، وَجَاعِلِ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرَاً وَتَرْتِيبَاً سُبْحَانَهُ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ فِرَاسَةَ التَّشْخِيصِ الروحيِّ الصَّحِيحِ تُمَثِّلُ البَابَ الأَوَّلَ لِنَجَاحِ رِحْلَةِ التَّطْهِيرِ وَالعِلَاجِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. وَإِنَّ الخَلْطَ بَيْنَ مَرَاتِبِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ يُؤَدِّي بِالمعَالِجِ إِلَى التَّخَبُّطِ وَإِطَالَةِ أَمَدِ المَرَضِ عَلَى الحَالَةِ. لِذَلِكَ كَانَ وَاجِبَاً عَلَى كُلِّ طَالِبٍ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَالمَارِدِ وَالعِفْرِيتِ بِبَصِيرَةٍ نَاصِعَةٍ، وَنُجَدِّدُ التَّنْبِيهَ أَنَّ هَذِهِ القَوَاعِدَ تُلَقَّنُ بِالمُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ.
الشَّيْطَانُ السُّفْلِيُّ: صِفَاتُهُ وَمَاهِيَّةُ تَأْثِيرِهِ
الشَّيْطَانُ فِي الطَّبَقَاتِ السُّفْلِيَّةِ هُوَ كُلُّ خَبِيثٍ تَمَرَّدَ عَلَى الطَّاعَةِ وَاتَّخَذَ مِنَ الأَذَى مَنْهَجَاً لَهُ. وَيَتَمَيَّزُ الشَّيْطَانُ بِأَنَّهُ صَاحِبُ خِفَّةٍ وَحِيلَةٍ وَوَسْوَاسٍ مُسْتَمِرٍّ، لَا يَعْتَمِدُ عَلَى القُوَّةِ العَضَلِيَّةِ أَوْ الطَّاقَةِ التَّدْمِيرِيَّةِ الكُبْرَى كَمَا يَفْعَلُ غَيْرُهُ، بَلْ يَرْتَكِزُ نُفُوذُهُ فِي بَثِّ الشُّكُوكِ وَإِيقَاعِ الفِتَنِ وَتَعْطِيلِ العَقْلِ. عِنْدَ تَشْخِيصِ الحَالَةِ الَّتِي يُعَانِي بَدَنُهَا مِنْ تَسَلُّطِ شَيْطَانٍ سُفْلِيٍّ، نَجِدُ أَنَّ الشَّكْوَى الرَّئِيسِيَّةَ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ شَتَاتِ الذِّهْنِ الكَامِلِ، وَالخَوْفِ الغَامِضِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَالصُّدَاعِ المُتَنَقِّلِ الخَفِيفِ، مَعَ ثِقَلٍ فِي مَنْطِقَةِ الكَتِفَيْنِ. وَيَسْهُلُ دَحْرُ الشَّيْطَانِ إِذَا التَزَمَ المَرِيضُ بِأَوْرَادِ الطَّهَارَةِ بِيَقِينٍ تَامٍّ.
المَارِدُ العَنِيدُ: عِمْلَاقُ الطَّاقَةِ وَعَقْدِ الحُصُونِ
أَمَّا المَارِدُ فِهُوَ يَنْتَمِي إِلَى طَبَقَةٍ أَعْلَى بِشَاهِقٍ فِي التَّسَلْسُلِ الهَرَمِيِّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ. يَعْنِي اسْمُ المَارِدِ لُغَوِيَّاً وَبَاطِنِيَّاً التَّمَرُّدَ العَاتِيَ الَّذِي يَصْحَبُهُ كِبْرٌ شَدِيدٌ وَضَخَامَةٌ فِي الهَيْكَلِ الطَّاقِيِّ. المَرَدَةُ هُمْ عَمَالِقَةُ الجِنِّ، وَتَمْتَازُ رُتْبَتُهُمْ بِالقُدْرَةِ العَالِيَةِ عَلَى بِنَاءِ الحُصُونِ المَتِينَةِ دَاخِلَ جَسَدِ المَسْحُورِ لِحِمَايَةِ خَادِمِ السِّحْرِ. فِي غُرْفَةِ التَّشْخِيصِ، يَظْهَرُ أَثَرُ المَارِدِ عَلَى شَكْلِ آلَامٍ مُزْمِنَةٍ فِي العِظَامِ وَالمَفَاصِلِ، وَتَحَجُّرٍ شَدِيدٍ فِي أَسْفَلِ الظَّهْرِ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ طِبُّ الأَبْدَانِ، مَعَ رُؤْيَةِ أَشْكَالٍ عِمْلَاقَةٍ أَوْ عُيُونٍ وَاسِعَةٍ تُرَاقِبُ المَرِيضَ فِي مَنَامِهِ. فَهْمُ طَبِيعَةِ المَارِدِ يَفْرِضُ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ الِاسْتِعَانَةَ بِآيَاتِ الفَكِّ وَالتَّدْمِيرِ القَاطِعَةِ لِأَنَّ المَارِدَ يَتَمَسَّكُ بِالبَدَنِ عِنَادَاً وَاسْتِكْبَارَاً.
العِفْرِيتُ السُّفْلِيُّ: خَبِيرُ النَّارِ وَالسُّرْعَةِ وَالتَّشَكُّلِ
العِفْرِيتُ هُوَ طَاقَةٌ بَاطِنِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامَاً، فَالصِّفَةُ الغَالِبَةُ عَلَيْهِ هِيَ المَكْرُ الشَّدِيدُ، وَالسُّرْعَةُ الفَائِقَةُ، وَالانْتِقَالُ الكَلِمِيُّ بَيْنَ أَعْضَاءِ الجَسَدِ. تَمْلِكُ العَفَارِيتُ قُدْرَةً مَاهِرَةً عَلَى التَّشَكُّلِ الخَارِجِيِّ وَالدَّاخِلِيِّ، وَتَعْتَمِدُ فِي أَذَاهَا عَلَى إِشْعَالِ نِيرَانِ العَصَبِيَّةِ المُفَاجِئَةِ وَالغَضَبِ الأَعْمَى دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ. الحَالَةُ الَّتِي يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا عِفْرِيتٌ سُفْلِيٌّ تُعَانِي مِنْ هَبَّاتٍ حَارَّةٍ تَسْرِي فِي الدَّمِ، وَتَحَرُّكٍ سَرِيعٍ لِلنَّبْضِ فِي أَطْرَافِ البَدَنِ (يَظُنُّهُ البَعْضُ عِرْقَاً يَنْبِضُ)، مَعَ نَزَعَاتٍ انْتِقَامِيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ. العِفْرِيتُ يَحْتَاجُ فِي مَقَامِ الحِصَارِ إِلَى آيَاتِ الحَرْقِ وَالحَبْسِ لِأَنَّ خِفَّتَهُ تُمَكِّنُهُ مِنَ المُرَاوَغَةِ وَالِاخْتِفَاءِ أَثْنَاءَ القِرَاءَةِ.
الفَرْقُ الحَاسِمُ فِي مَقَامِ العِلَاجِ وَالتَّطْهِيرِ
إِنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ هِيَ بِمَثَابَةِ مِفْتَاحِ النَّصْرِ لِلْمُعَالِجِ. الشَّيْطَانُ يُحَارَبُ بِتَطْهِيرِ الأَفْكَارِ وَالأَوْرَادِ النَّفْسِيَّةِ لِأَنَّ سِلَاحَهُ أَوْهَنُ مِنْ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ إِذَا كُشِفَ. بَيْنَمَا المَارِدُ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَسٍ طَوِيلٍ وَعِلْمٍ رَاسِخٍ لِتَفْكِيكِ الحُصُونِ الَّتِي يَحْتَمِي دَاخِلَهَا وَدَكِّ كِبْرِهِ بِأَنْوَارِ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى. أَمَّا العِفْرِيتُ فَيَتَطَلَّبُ اليَقَظَةَ الصَّارِمَةَ وَسُرْعَةَ البَدِيهَةِ مِنَ الطَّالِبِ لِقَطْعِ طُرُقِ هُرُوبِهِ وَتَقْيِيدِ حَرَكَتِهِ النَّارِيَّةِ. جَهْلُ المعَالِجِ بِهَذِهِ الفُرُوقِ يَجْعَلُهُ يُعَالِجُ العِفْرِيتَ بِطَرِيقَةِ الشَّيْطَانِ، فَيَسْخَرُ مِنْهُ العَارِضُ وَيَزْدَادُ تَمَكُّنَاً دَاخِلَ الأَبْدَانِ.
خَاتِمَةُ وَعِيدِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الثَّانِيَ بِتَذْكِيرِ قُلُوبِ طُلَّابِنَا فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ، أَنَّ تَفَاوُتَ رُتَبِ هَؤُلَاءِ الأَعْدَاءِ مِنْ مَارِدٍ مُسْتَكْبِرٍ أَوْ عِفْرِيتٍ مَـاكِرٍ لَا يَزِيدُهُمْ قُوَّةً أَمَامَ صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. كُلُّ رُتَبِهِمْ تَنْحَنِي صَاغِرَةً خَاضِعَةً أَمَامَ بَهَاءِ الحَقِّ الكَلِمِيِّ. اجْعَلْ بَصِيرَتَكَ هِيَ مِيزَانَكَ، وَلَا تُرْعِبْكَ أَسْمَاؤُهُمْ، فَمَنْ كَانَ اللهُ حِرْزَهُ صَارَتْ جُيُوشُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ أَمَامَهُ كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ المَحْرُوقَةِ. وَاحْفَظْ سِرَّكَ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالتَزِمْ بِالحَذَرِ الدَّقِيقِ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَامَاً وَيَسْتَقِرَّ نُورُ اليَقِينِ.
Leave A Comment