دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
عَالَمُ العَفَارِيتِ: حَقَائِقُ عِلْمِيَّةٌ عَنْ أَقْوَى كَائِنَاتِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَجَعَلَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَعَلَ مِنْ خَلْقِهِ خَفَايَا لَا تُدْرِكُهَا الأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الدِّرَاسَةَ العِلْمِيَّةَ الصَّارِمَةَ لِطَبَقَاتِ الجِنِّ تَقْتَضِي مِنْ طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ أَنْ يَنْفُوا عَنْ عُقُولِهِمْ كُلَّ خُرَافَةٍ مَكْذُوبَةٍ، وَأَنْ يَأْخُذُوا الحَقَائِقَ مِنْ نَبْعِهَا الرَّاصِخِ. وَإِنَّ الحَدِيثَ عَنْ عَالَمِ العَفَارِيتِ يَسْتَوْجِبُ الكَثِيرَ مِنَ الحَذَرِ وَالتَّأَنِّي لِأَنَّنَا نَتَعَامَلُ مَعَ صِنْفٍ يَمْلِكُ خَصَائِصَ طَاقِيَّةً فَرِيدَةً تُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ طَوَاغِيتِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ. وَنُؤَكِّدُ دَائِمَاً أَنَّ هَذِهِ العُلُومَ لَا تُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ.
المَاهِيَّةُ العِلْمِيَّةُ وَالطَّبِيعَةُ الخَاصَّةُ لِلْعِفْرِيتِ
العِفْرِيتُ فِي مَفْهُومِ أَهْلِ العِلْمِ الروحيِّ النَّقِيِّ هُوَ الطَّاقَةُ النَّارِيَّةُ الحَادَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ مَرْتَبَةً عَالِيَةً مِنَ الدَّهَاءِ، وَالمَكْرِ، وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ السَّرِيعِ. لَا يَعْنِي اسْمُ العِفْرِيتِ الضَّخَامَةَ العَضَلِيَّةَ كَمَا هُوَ الحَالُ عِنْدَ المَرَدَةِ، بَلْ يَعْنِي الخِفَّةَ الخَارِقَةَ وَالمَهَارَةَ الفَائِقَةَ فِي المُرَاوَغَةِ وَتَبْدِيلِ الأَحْوَالِ. تَتَوَلَّدُ العَفَارِيتُ السُّفْلِيَّةُ مِنْ عَنَاصِرَ حَارَّةٍ جِدًّا، مِمَّا يَجْعَلُ جَسَدَهَا الطَّاقِيَّ قَادِرَاً عَلَى الِانْكِمَاشِ وَالتَّمَدُدِ دَاخِلَ عُرُوقِ الإِنْسَانِ، فَيَتَنَقَّلُ العِفْرِيتُ بَيْنَ أَعْضَاءِ المَصَابِ فِي جُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، الأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ رَصْدَهُ وَحِصَارَهُ صَعْبَاً عَلَى الرُّقَاةِ العَامِّيِّينَ الَّذِينَ لَا فِرَاسَةَ لَهُمْ.
أَسْرَارُ نُفُوذِ العَفَارِيتِ دَاخِلَ المَنَازِلِ وَالأَبْدَانِ
تَرْتَكِزُ قُوَّةُ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ فِي سُلْطَتِهِ عَلَى العَنَاصِرِ المَادِّيَّةِ الخَفِيفَةِ. يَمْلِكُ العِفْرِيتُ قُدْرَةً عَلَى صِنَاعَةِ حَرَكَاتٍ فِيجِيَائِيَّةٍ مُرِيبَةٍ دَاخِلَ البُيُوتِ، مِثْلَ نَقْلِ الأَوَانِي مِنْ مَوَاضِعِهَا، أَوْ إِشْعَالِ شَرَارَاتٍ نَارِيَّةٍ صَغِيرَةٍ دَاخِلَ الخَزَائِنِ، أَوْ بَثِّ أَصْوَاتٍ تُشْبِهُ النَّقْرَ عَلَى الجُدْرَانِ لِأَجْلِ نَشْرِ الخَوْفِ. أَمَّا دَاخِلَ بَدَنِ المَسْحُورِ، فَإِنَّ العِفْرِيتَ يَتَّخِذُ مِنَ المَرَاكِزِ العَصَبِيَّةِ الرَّئِيسِيَّةِ مَسْكَنَاً لَهُ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى إِثَارَةِ الهَبَّاتِ السَّاخِنَةِ الَّتِي تَسْرِي فِي الدَّمِ فَجْأَةً، كَمَا يُسَبِّبُ نَبْضَاً مُتَلَاحِقَاً وَمُتَحَرِّكَاً فِي الأَطْرَافِ يَسْتَطِيعُ المَرِيضُ رُؤْيَتَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ أَنْ يَجِدَ لَهُ الأَطِبَّاءُ سَبَبَاً.
فِرَاسَةُ كَشْفِ مَكْرِ العِفْرِيتِ أَثْنَاءَ التَّشْخِيصِ
إِنَّ مِيزَانَ التَّشْخِيصِ المَلَكِيِّ يَجْعَلُكَ تَقْرَأُ حَرَكَاتِ العِفْرِيتِ بِيَقِينٍ طَاهِرٍ. عِنْدَمَا تَقْرَأُ عَلَى حَالَةٍ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا عِفْرِيتٌ سُفْلِيٌّ، سَتُلَاحِظُ اهْتِزَازاً سَرِيعاً وَمُضْطَرِباً فِي إِبْهَامِ القَدَمِ أَوِ اليَدِ، مَعَ رَفِيفٍ حَادٍّ فِي جُفُونِ العَيْنَيْنِ. وَالعِفْرِيتُ صَاحِبُ اسْتِهْزَاءٍ؛ فَقَدْ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ المَرِيضِ بِضِحْكَةٍ سَاخِرَةٍ أَوْ عِبَارَاتٍ مُرَاوِغَةٍ لِأَجْلِ تِشْتِيتِ ذِهْنِ الطَّالِبِ. كَمَا يَمْتَازُ أَثَرُهُ المَنَامِيُّ بِأَنْ يَرَى المَصَابُ نَفْسَهُ يَطِيرُ فِي الهَوَاءِ مُسْرِعاً وَيَفِرُّ مِنْ جُمُوعٍ تُطَارِدُهُ، أَوْ يَرَى نِيرَاناً تَشْتَعِلُ فِي أَمَاكِنَ يَعْرِفُهَا دُونَ أَنْ تُحْرِقَهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا انْعِكَاسَاتٌ لِطَبِيعَتِهِ النَّارِيَّةِ الخَفِيفَةِ.
قَوَانِينُ الحَبْسِ وَالتَّدْمِيرِ لِطَاقَةِ العَفَارِيتِ العَنِيدَةِ
المُعَالِجُ البَصِيرُ يَعْلَمُ أَنَّ قِتَالَ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلٍ بَلْ إِلَى سُرْعَةٍ وَإِحْكَامٍ. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِتَقْيِيدِ حَرَكَتِهِ دَاخِلَ البَدَنِ عَبْرَ أَمْرِ الحَبْسِ بِآيَاتِ السَّلَاسِلِ وَالأَغْلَالِ، مِثْلَ قِرَاءَةِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرْقَانِ وَآيَاتِ الحِصَارِ فِي سُورَةِ يس. عِنْدَمَا تَنْقَطِعُ سُبُلُ المُرَاوَغَةِ عَنِ العِفْرِيتِ، تَتَحَوَّلُ سُرْعَتُهُ إِلَى ضَغْطٍ نَارِيٍّ يَعُودُ عَلَى كِيَانِهِ بِالاحْتِرَاقِ، فَيَضِيقُ بِهِ مَجْرَى الدَّمِ وَيَجِدُ نَفْسَهُ مَحْبُوساً بَيْنَ أَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَخْرَجٌ سِوَى المَوْتِ هَلَاكاً أَوْ الخُرُوجِ صَاغِراً ذَلِيلاً بِقُوَّةِ المَلِكِ الحَقِّ.
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ وَتَهَاوِي جُيُوشِ العَفَارِيتِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ السَّادِسَ بِتَرْسِيخِ رَايَةِ النَّصْرِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. مَهْمَا بَلَغَ مَكْرُ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ، وَمَهْمَا كَانَتْ سُرْعَتُهُ فِي التَّشَكُّلِ وَبَثِّ النِّيرَانِ وَالأَخْيِلَةِ دَاخِلَ الأَبْدَانِ، فَإِنَّ كِيَانَهُ أَوْهَنُ مِنْ أَنْ يَصْمُدَ ثَانِيَةً وَاحِدَةً أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَيَقِينِ الذِّكْرِ المَوْزُونِ. الخَوْفُ هُوَ مَدْخَلُهُ المَلْعُونُ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالتَّوْحِيدِ صَارَ عِفْرِيتُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ أَمَامَكَ كَالرَّمَادِ الَّذِي اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ. وَاحْفَظْ سِرَّكَ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَامَاً وَتَسْتَقِرَّ فِيكَ أَنْوَارُ الحِفْظِ الرَّبَّانِيِّ.
Leave A Comment