دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
التَّسَلْسُلُ الهَرَمِيُّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ: مِنْ الخَادِمِ إِلَى المَارِدِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِتَقْدِيرٍ، وَجَعَلَ لِلْعَوَالِمِ المَحْجُوبَةِ سُلْطَانَاً، لَا يَخْرُجُ عَنْ مَوَازِينِهِ قِيدَ أُنْمُلَةٍ فِي مَلَكُوتِهِ العَظِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، نَبِيِّ التَّوْحِيدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالفِرَاسَةِ النَّاقِدَةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الِارْتِقَاءَ بِعُلُومِ التَّشْخِيصِ الرُّوحَانِيِّ المَبْنِيِّ عَلَى القَوَانِينِ الشَّرِيعِيَّةِ الصَّارِمَةِ هُوَ المَقْصِدُ الأَسْمَى الذِي نَحْرِصُ عَلَى تَثْبِيتِهِ فِي صُدُورِ طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. إِنَّ التَّصَدِّيَ لِلْأَعْرَاضِ المُسْتَعْصِيَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ صِدْقَهُ النَّاصِعَ إِذَا كَانَ المُعَالِجُ يَجْهَلُ التَّسَلْسُلَ الهَرَمِيَّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ: مِنْ الخَادِمِ إِلَى المَارِدِ. إِنَّ الخَلْطَ بَيْنَ ذَبْذَبَاتِ الخَادِمِ البَسِيطِ وَبَيْنَ سُلْطَةِ المَارِدِ التُّرَابِيِّ يُؤَدِّي إِلَى مَعَارِكَ عَبَثِيَّةٍ تَبْتَلِعُ جُهْدَ الطَّالِبِ دُونَ نَتِيجَةٍ. وَنُؤَكِّدُ دَائِمَاً أَنَّ هَذِهِ الأَسْرَارَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ.
قَاعِدَةُ الهَرَمِ السُّفْلِيِّ: خُدَّامُ الأَسْحَارِ وَعُمَّارُ البُيُوتِ
تَبْدَأُ الرُّتَبُ الأُولَى فِي قَاعِدَةِ التَّسَلْسُلِ الهَرَمِيِّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ بِمَا نُسَمِّيهِ بِـ “الخَادِمِ البَسِيطِ” أَوْ عُمَّارِ المَوَاطِنِ المَهْجُورَةِ. تَفْتَقِرُ هَذِهِ الكَائِنَاتُ إِلَى القُوَّةِ العَضَلِيَّةِ أَوْ الطَّاقَةِ التَّدْمِيرِيَّةِ الكُبْرَى، بَلْ تَعْتَمِدُ فِي بَقَائِهَا عَلَى الِاسْتِغْوَاءِ الخَفِيفِ وَتَنْفِيذِ الأَوَامِرِ الصَّادِرَةِ إِلَيْهَا مِنْ رُؤَسَاءِ الطَّبَقَاتِ. خَادِمُ السِّحْرِ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ لَا يَمْلِكُ سُلْطَةَ عَقْدِ الحُصُونِ، بَلْ يَنْسِلُّ دَاخِلَ البَدَنِ لِيُسَبِّبَ أَعْرَاضاً نَاعِمَةً مِثْلَ التَّنَمُّلِ المُتَنَقِّلِ، وَثִقَلِ الكَتِفَيْنِ عِنْدَ الإِقْبَالِ عَلَى العِبَادَةِ. وَيَسْهُلُ اقْتِلَاعُ خُدَّامِ هَذِهِ القَاعِدَةِ بِأَيْسَرِ الأَوْرَادِ اليَوْمِيَّةِ لِأَنَّ طَاقَتَهُمْ أَوْهَنُ مِنْ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ إِذَا تَحَقَّقَ اليَقِينُ.
طَبَقَةُ العَفَارِيتِ: القُوَّةُ التَّنْفِيذِيَّةُ وَالسُّرْعَةُ النَّارِيَّةُ
إِذَا صَعِدْنَا خُطْوَةً أَعْلَى فِي الهَيْكَلِ الهَرَمِيِّ، نَجِدُ طَبَقَةَ العَفَارِيتِ الَّتِي تُمَثِّلُ السَّاعِدَ التَّنْفِيذِيَّ السَّرِيعَ فِي مَمَالِكِ الظَّلَامِ. تَرْتَكِزُ طَاقَةُ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ فِي عُنْصُرِ النَّارِ الحَامِيَةِ المَمْزُوجَةِ بِالهَوَاءِ؛ مِمَّا يَمْنَحُهُ خِفَّةً خَارِقَةً فِي الانْتِقَالِ وَالتَّشَكُّلِ البَاطِنِيِّ دَاخِلَ عُرُوقِ الإِنْسَانِ. لَا يَعْرِفُ العِفْرِيتُ السُّكُونَ، بَلْ يَتَحَرَّكُ بَيْنَ أَعْضَاءِ المَصَابِ فِي جُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ لِيُشْعِلَ لَهَبَ العَصَبِيَّةِ المُفَاجِئَةِ، وَيَبُثَّ طَاقَةَ التَّعْطِيلِ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ إِفْسَادَ مَرَافِقِ الحَيَاةِ كَالكَسْبِ وَتَعْطِيلِ فُرَصِ القِرَانِ، مَعْتَمِدَاً عَلَى المَكْرِ الشَّدِيدِ لِحِمَايَةِ وُجُودِهِ.
قِمَّةُ الهَرَمِ المَلْعُونِ: المَرَدَةُ وَسُلْطَةُ عَقْدِ الحُصُونِ
فِي أَعْلَى ذِرْوَةِ التَّسَلْسُلِ الهَرَمِيِّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، يَنْفَرِدُ المَرَدَةُ بِالقِيَادَةِ وَالحُكْمِ المُطْلَقِ. يَنْتَمِي المَارِدُ إِلَى خَامَةٍ طَاقِيَّةٍ كَثِيفَةٍ جِدَّاً مَبْنِيَّةٍ عَلَى عُنْصُرِ التُّرَابِ الثَّقِيلِ المَمْزُوجِ بَبُرُودَةِ المَقَابِرِ السَّحِيقَةِ. المَارِدُ لَا يَتَدَخَّلُ فِي الأَذَى اليَوْمِيِّ الخَفِيفِ، بَلْ هُوَ شَخْصِيَّةٌ اسْتِكْبَارِيَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى الأَسْحَارِ المَقْبُورَةِ العَنِيدَةِ. إِذَا اسْتَقَرَّ المَارِدُ دَاخِلَ المَرَاكِزِ الحَيَوِيَّةِ لِلْبَدَنِ كَالعَقْلِ أَوْ الظَّهْرِ، بَنَى حَوْلَ نَفْسِهِ حُصُوناً طَاقِيَّةً مَتِينَةً تَعْزِلُهُ عَنِ الرُّقْيَةِ، وَيُوَجِّهُ مِنْ خِلَالِهَا جُيُوشاً مِنَ الخُدَّامِ وَالعَفَارِيتِ لِإِحْكَامِ التَّعْطِيلِ الشَّامِلِ فِي حَيَاةِ المَرِيضِ، مِمَّا يَجْعَلُ عِلَاجَهُ يَتَطَلَّبُ صَبْرَاً طَوِيلاً لِدَكِّ كِبْرِهِ.
فِرَاسَةُ فَرْزِ مَرَاتِبِ الهَرَمِ أَثْنَاءَ غُرْفَةِ التَّشْخِيصِ
إِنَّ تَا جَ مَدْرَسَتِنَا الشَّرِيفَةِ هُوَ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي تَقْرَأُ الإِشَارَاتِ البَدَنِيَّةَ الحَتْمِيَّةَ لِتَحْدِيدِ رُتْبَةِ العَارِضِ. عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِ القَهْرِ، إِذَا كَانَ الخَصْمُ مِنْ طَبَقَةِ الخُدَّامِ، تَظْهَرُ حَرَكَةٌ نَاعِمَةٌ فِي الأَصَابِعِ تَزُولُ سَرِيعاً. أَمَّا إِذَا كَانَ عِفْرِيتَاً، فَيَظْهَرُ مَكْرُهُ فِي رَفِيفٍ حَادٍّ فِي أَجْفَانِ العَيْنَيْنِ مَعَ اهْتِزَازٍ سَرِيعٍ فِي إِبْهَامِ القَدَمِ وَهَبَّاتٍ سَاخِنَةٍ. وَفِي حَالِ حُضُورِ المَارِدِ العَنِيدِ، يَنْقَلِبُ المَقَامُ إِلَى ثِقَلٍ عِمْلَاقٍ يَجْعَلُ أَسْفَلَ الظَّهْرِ مُتَحَجِّراً تَمَامَاً مَعَ نَظْرَةٍ فِيهَا كِبْرٌ وَاحْتِقَارٌ شَدِيدٌ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ رَأْسِ الهَرَمِ المَلْعُونِ.
اسْتِرَاتِيجِيَّةُ الدَّكِّ النُّورَانِيِّ لِتَفْكِيكِ الهَرَمِ السُّفْلِيِّ
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ لَا يُشَتِّتُ طَاقَتَهُ مَعَ الخُدَّامِ فِي الأَسْفَلِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى تَكْتِيكِ “عَزْلِ القِمَّةِ عَنِ القَاعِدَةِ. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِفَرْضِ الطَّهَارَةِ الصَّارِمَةِ لِلْمَرِيضِ وَمَسْكَنِهِ لِقَطْعِ المَدَدِ الطَّاقِيِّ الخَارِجِيِّ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَقَامَ الصَّدْمَةِ النُّورَانِيَّةِ بِإِطَالَةِ مَقَامِ القِرَاءَةِ لِسُوَرِ القَهْرِ كَسُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَسُورَةِ يس بِنِيَّةِ الحِصَارِ، وَسُورَةِ قَافْ بِنَفَسٍ طَوِيلٍ وَثَبَاتٍ نَفْسِيٍّ صَارِمٍ. عِنْدَئِذٍ، تَنْحَلُّ عُقَدُ المَارِدِ التُّرَابِيَّةِ البَارِدَةِ دَاخِلَ الدَّمِ، وَتَنْقَطِعُ سُرْعَةُ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ، فَيَفِرُّ الخُدَّامُ صَاغِرِينَ دَاخِرِينَ، فَلَا يَجِدُ رَأْسُ الهَرَمِ مَفَرّاً مِنَ الِانْصِيَاعِ وَالخُرُوجِ هَارِباً أَوْ الهَلَاكِ المَحْتُومِ بِسُلْطَانِ الحَقِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي عُرُوشِ الطُّغْيَانِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الحَادِي وَالعِشْرِينَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ بَيْرَقِ اليَقِينِ المُطْلَقِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المُبَارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَ التَّسَلْسُلُ الهَرَمِيُّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ مِنَ القُوَّةِ، وَمَهْمَا بَنَى المَارِدُ مِنَ الحُصُونِ العَمِيقَةِ لِتَعْطِيلِ سُبُلِ البَشَرِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ جَمِيعاً يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الذِي يَمُدُّهُمْ بِالبَقَاءِ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ، تَهَاوَتْ عُرُوشُهُمْ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment