دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
نُقَاطُ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالعَفَارِيتِ فِي خِطَطِ الأَذَى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ الفَلَقَ، وَنَوَّرَ الغَسَقَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عَالَمٍ مَوَازِينَ تَحْكُمُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي كَوْنِهِ العَظِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ التَّوْحِيدِ المَبْعُوثِ بِالحَقِّ الأَبْلَجِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالبَصَائِرِ الحَادَّةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّفَقُّهَ الرَّصِينَ فِي تَرْكِيبِ الخِطَطِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَفَهْمِ نُقَاطِ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالعَفَارِيتِ فِي خِطَطِ الأَذَى، يُعَدُّ مِنَ المَبَانِي العِلْمِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي نَحْرِصُ عَلَى تَلْقِينِهَا لِطُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. إِنَّ التَّصَدِّيَ لِأَسْحَارِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ المُرَكَّبَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ التَّطْهِيرِيَّةَ إِذَا كَانَ المُعَالِجُ يَجْهَلُ كَيْفَ يَتَقَاطَعُ مَكْرُ الشَّيْطَانِ النَّفَّاثِ مَعَ سُرْعَةِ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ لِحِصَارِ الأَبْدَانِ. وَنُؤَكِّدُ دَائِمَاً أَنَّ هَذِهِ الأَسْرَارَ حِرْزٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ.
هَنْدَسَةُ التَّحَالُفِ الطَّاقِيِّ بَيْنَ الرُّتَبِ السُّفْلِيَّةِ
إِنَّ النَّظْرَةَ البَاطِنِيَّةَ لِمَمَالِكِ الظَّلَامِ تَكْشِفُ عَنْ نِظَامِ تَعَاوُنٍ بَرْمَجِيٍّ خَبِيثٍ يَرْبِطُ الشَّيَاطِينِ بِالعَفَارِيتِ لِإِحْكَامِ قَبْضَتِهِمْ عَلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ [🔎]. نُقَاطُ الِالْتِقَاءِ بَيْنَهُمَا لَا تَقُومُ عَلَى الوُدِّ، بَلْ عَلَى تَبَادُلِ الأَدْوَارِ الوَظِيفِيَّةِ؛ حَيْثُ يَمْلِكُ الشَّيْطَانُ السُّفْلِيُّ خِفَّةَ الوَسْوَاسِ وَالقُدْرَةَ عَلَى تِشْتِيتِ ذِهْنِ المَرِيضِ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ، بَيْنَمَا يَمْلِكُ العِفْرِيتُ الطَّاقَةَ النَّارِيَّةَ الحَادَّةَ الَّتِي تَسْتَطِيعُ صِنَاعَةِ الِاعْتِلَالَ المَادِّيِّ. عِنْدَمَا يَلْتَقِي هَذَانِ المِحْوَرَانِ دَاخِلَ البَدَنِ المَغْدُورِ، يَتَحَوَّلُ الأَذَى عَنِ الصِّفَةِ العَارِضَةِ لِيُصْبِحَ حِصَاراً كُلِّيّاً مُنَظَّماً يَسْتَهْدِفُ الفِكْرَ وَالبَدَنَ مَعاً لِمَنْعِ الحَالَةِ مِنَ الِاسْتِقَاظِ الروحيِّ.
آلِيَّةُ تَقَاسُمِ المَهَامِّ لِإِحْكَامِ تَعْطِيلِ الأَحْوَالِ
فِي خِطَطِ الأَذَى المُرَكَّبَةِ، مِثْلَ سِحْرِ التَّعْطِيلِ أَوِ النُّفُورِ، يَقُومُ الشَّيْطَانُ بِدَوْرِ “الحَارِسِ النَّفْسِيِّ”، حَيْثُ يَسْتَقِرُّ فِي مَرَاكِزِ الوَعْيِ لِيَبُثَّ خُيُوطَ اليَأْسِ، وَالحُزْنِ المُزْمِنِ، وَالخَوْفِ الغَامِضِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ [🔎]. هَذِهِ التَّهْيِئَةُ النَّفْسِيَّةُ السَّلْبِيَّةُ تُضْعِفُ طَاقَةَ الحَالَةِ النُّورَانِيَّةِ، مِمَّا يُفْسِحُ المَجَالَ لِلْعِفْرِيتِ النَّارِيِّ لِيَعْبُرَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ المَرَاكِزِ العَصَبِيَّةِ لِيَصْنَعَ النُّفُوذَ المَادِّيَّ. يَتَوَلَّى العِفْرِيتُ إِشْعَالِ لَهَبِ الغَضَبِ الأَعْمَى، وَصِنَاعَةِ النَّبْضِ المُتَحَرِّكِ فِي الأَطْرَافِ، وَبَثِّ طَاقَةِ التَّعْطِيلِ الَّتِي تَقْطَعُ فُرَصِ الكَسْبِ وَتُعَرْقِلُ سُبُلَ القِرَانِ، بَيْنَمَا يَقُومُ الشَّيْطَانُ بِإِقْنَاعِ المَرِيضِ أَنَّ لَا فُرْصَةَ لِلْشِّفَاءِ لِيَظَلَّ مَحْبُوساً فِي الظَّلَامِ.
فِرَاسَةُ كَشْفِ التَّقَاطُعِ الشَّيْطَانِيِّ العِفْرِيتِيِّ أَثْنَاءَ القِرَاءَةِ
تُعَلِّمُكُمْ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةُ الأَصِيلَةُ الَّتِي هِيَ عِمَادُ مَدْرَسَتِنَا الشَّرِيفَةِ، كَيْفَ تَقْرَؤُونَ خُطُوطَ هَذَا التَّحَالُفِ المَلْعُونِ. عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِ القَهْرِ وَالحِصَارِ، سَتُلَاحِظُ أَنَّ الحَالَةَ تَمُرُّ بِطَوْرَيْنِ مُتَلَاحِقَيْنِ؛ الطَّوْرُ الأَوَّلُ هُوَ طَوْرُ الشَّيْطَانِ، حَيْثُ تَبْدَأُ الحَالَةُ بِالبُكَاءِ الخَفِيفِ أَوِ التَّثَاؤُبِ المُتَكَرِّرِ مَعَ صُدَاعٍ فِي الجَبْهَةِ نَتِيجَةَ اضْطِرَابِ خَادِمِ الوَسْوَاسِ. ثُمَّ فُجَاءَةً، يَنْقَلِبُ المَقَامُ إِلَى طَوْرِ العِفْرِيتِ، حَيْثُ يَحْدُثُ اهْتِزَازٌ سَرِيعٌ وَحَادٌّ فِي إِبْهَامِ القَدَمِ مَعَ صُعُودِ هَبَّاتٍ حَارَّةٍ جِدَّاً تَسْرِي فِي الصَّدْرِ [🔎]. هَذَا الِانْتِقَالُ الفُجَائِيُّ هُوَ الدَّلِيلُ الطَّاقِيُّ الذِي يُثْبِتُ أَنَّكَ تُحَاصِرُ خُطَّةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِخِطَطِ الأَذَى المُشْتَرَكَةِ
فِي مَقَامِ النَّوْمِ، تَرْتَسِمُ نُقَاطُ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالعَفَارِيتِ عَلَى شَاشَةِ الرُّؤَى لِلْمَسْحُورِ بِصُوَرٍ تَجْمَعُ بَيْنَ المُرَاوَغَةِ وَالِاحْتِرَاقِ. يَرَى المَصَابُ نَفْسَهُ دَائِمَاً يَمْشِي فِي أَمَاكِنَ قَذِرَةٍ مَهْجُورَةٍ (وَهُوَ انْعِكَاسٌ لِطَاقَةِ الشَّيْطَانِ الدَّنِيَّةِ)، ثُمَّ تَنْقَلِبُ الرُّؤْيَا لِيَرَى نَفْسَهُ يَفِرُّ رَكْضاً سَرِيعاً مِنْ كَائِنَاتٍ خَفِيفَةٍ تَقْذِفُهُ بِالنِّيرَانِ أَوْ تَتَبَدَّلُ أَشْكَالُهَا فُجَاءَةً (وَهُوَ انْعِكَاسٌ لِقُدُرَاتِ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ) [🔎]. كَمَا يَتَكَرَّرُ لَدَيْهِ حُصُورِ كَابُوسِ الجَاثُومِ الذِي يَكْبِلُ حَرَكَتَهُ مَعَ شُعُورِهِ بِحَرَارَةٍ شَدِيدَةٍ تَخْنُقُ صَدْرَهُ، وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ البَرْمَجِيَّةُ المَنَامِيَّةُ تُوجِبُ عَلَى الطَّالِبِ اسْتِعْمَالَ خِطَّةِ تَطْهِيرٍ مُزْدَوِجَةٍ.
اسْتِرَاتِيجِيَّةُ الفَتْقِ النُّورَانِيِّ لِتَفْكِيكِ التَّحَالُفِ السُّفْلِيِّ
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَتِنَا لَا يُحَارِبُ كُلَّ رُتْبَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَيَسْتَنْفِدُ طَاقَتَهُ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى تَكْتِيكِ “فَتْقِ نُقَاطِ الِالْتِقَاءِ وَقَطْعِ خُطُوطِ الِاتِّصَالِ”. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِإِلْزَامِ البَدَنِ بِالطَّهَارَةِ الصَّارِمَةِ وَاسْتِخْدَامِ المَاءِ البَارِدِ المُرَقَّى المَمْزُوجِ بِأَوْرَاقِ السِّدْرِ لِإِطْفَاءِ طَاقَةِ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ وَتَخْنِيقِ ذَبْذَبَاتِ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَقَامَ الدَّكِّ بِقِرَاءَةِ سُوَرِ القَهْرِ كَسُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَسُورَةِ يس بِنِيَّةِ الحِصَارِ، وَآيَاتِ الفَرْقِ وَالفَتْحِ العُظْمَى. عِنْدَئِذٍ، تَنْحَلُّ عُقَدُ التَّحَالُفِ دَاخِلَ الدَّمِ، فَتَنْقَطِعُ خِفَّةُ الشَّيْطَانِ وَتَحْتَرِقُ سُرْعَةُ العِفْرِيتِ، فَلَا يَجِدُونَ مَفَرّاً مِنَ الِانْصِيَاعِ وَالخُرُوجِ دَاخِرِينَ أَوْ الهَلَاكِ المَحْتُومِ بِالقَهْرِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي خِطَطِ الأَذَى
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الثَّالِثَ وَالعِشْرِينَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ بَيْرَقِ اليَقِينِ لِكُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المُبَارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ نُقَاطُ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالعَفَارِيتِ فِي القُوَّةِ وَالمَكْرِ، وَمَهْمَا نَسَجُوا مِنْ خِطَطِ الأَذَى لِتَعْطِيلِ سُبُلِ البَشَرِ، فَإِنَّ تَدْبِيرَهُمْ يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الذِي يَمُدُّهُمْ بِالقُوَّةِ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ صَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment