دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
كَيْفَ يَعْرِفُ المُعَالِجُ رُتْبَةَ الشَّيْطَانِ دَاخِلَ الجَسَدِ؟
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَصِيرَةً يَنْفُذُ بِهَا عَبْرَ حُجُبِ الخَفَايَا، سُبْحَانَهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلَاحِمِ الأَنْوَرِ، وَالسِّرِّ الأَظْهَرِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالفِرَاسَةِ الحَادَّةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّبَحُّرَ فِي عُلُومِ التَّشْخِيصِ الرُّوحَانِيِّ المَبْنِيِّ عَلَى القَوَانِينِ الشَّرِيعِيَّةِ المَتِينَةِ يَفْرِضُ عَلَى طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ الِارْتِقَاءَ عَنْ مَقَامِ العَشْوَائِيَّةِ. إِنَّ التَّسَاؤُلَ الجَوْهَرِيَّ عَنْ كَيْفَ يَعْرِفُ المُعَالِجُ رُتْبَةَ الشَّيْطَانِ دَاخِلَ الجَسَدِ هُوَ العَمُودُ الفِقْرِيُّ الذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ خُطَطُ التَّطْهِيرِ النَّاجِحَةِ. إِنَّ الجَهْلَ بِفَرْزِ الرُّتَبِ بَيْنَ خَادِمٍ بَسِيطٍ، أَوْ عِفْرِيتٍ مَـاكِرٍ، أَوْ مَارِدٍ مُسْتَكْبِرٍ، يُؤَدِّي بِالطَّالِبِ إِلَى إِطَالَةِ أَمَدِ المَرَضِ وَتَخَبُّطِ الحَالَةِ. وَنُؤَكِّدُ دَائِمَاً أَنَّ هَذِهِ المَعَارِفَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ حِفْظاً لِلْعُقُولِ وَالأَبْدَانِ.
رَكِيزَةُ التَّشْخِيصِ: لُغَةُ الجَسَدِ الطَّاقِيَّةِ لِلْخُصُومِ
إِنَّ مَعْرِفَةَ رُتْبَةِ العَارِضِ السُّفْلِيِّ دَاخِلَ جَسَدِ المَسْحُورِ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى الكَشْفِ المَنَامِيِّ الظَّنِّيِّ، بَلْ تَرْتَكِزُ عَلَى قِرَاءَةِ العَلَامَاتِ الفِيجِيَائِيَّةِ وَلُغَةِ الجَسَدِ الطَّاقِيَّةِ أَثْنَاءَ سَمَاعِ قَوَارِعِ القُرْآنِ. تَمْتَلِكُ كُلُّ رُتْبَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ بَصْمَةً بَرْمَجِيَّةً خَاصَّةً تَنْعَكِسُ رَغْماً عَنْهَا عَلَى عُرُوقِ المَرِيضِ وَأَعْصَابِهِ. الشَّيْطَانُ البَسِيطُ أَوِ الخَادِمُ المُرَاوِغُ يَمْلِكُ طَاقَةً خَفِيفَةً تَظْهَرُ عَلَى شَكْلِ ارْتِجَافٍ سَرِيعٍ فِي الأَطْرَافِ، بَيْنَمَا تَعْتَمِدُ الرُّتَبُ العُلْيَا مِنَ العَفَارِيتِ وَالمَرَدَةِ عَلَى سُلْطَةٍ أَثْقَلَ تَحْبِسُ أَنْفَاسَ البَدَنِ وَتُسَيِّرُهُ بِمَوَازِينَ طَاقِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ يَجِبُ عَلَى السَّالِكِ فَتْقُ أَوْصَالِهَا بِنُورِ اليَقِينِ.
عَلَامَاتُ رُتْبَةِ الخَادِمِ البَسِيطِ وَالشَّيْطَانِ النَّفَّاثِ
عِنْدَمَا يَدْخُلُ المُعَالِجُ البَصِيرُ غُرْفَةَ التَّشْخِيصِ وَيَبْدَأُ فِي تِلَاوَةِ آيَاتِ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ رُتْبَةَ الشَّيْطَانِ البَسِيطِ تَنْكَشِفُ سَرِيعاً. يَتَمَيَّزُ أَثَرُ هَذِهِ الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فِي حُصُورِ تَنَمُّلٍ خَفِيفٍ يَنْتَقِلُ نَاعِماً بَيْنَ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، مَعَ شُعُورِ المَرِيضِ بِثِقَلٍ فِي مَنْطِقَةِ الكَتِفَيْنِ وَالصُّدَاعِ المُتَنَقِّلِ الذِي يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ أَوْ رَفْعِ الأَذَانِ. هَذِهِ الكَائِنَاتُ لَا تَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى صِنَاعَةِ حُصُونٍ طَاقِيَّةٍ مَتِينَةٍ، بَلْ تَرْتَكِزُ جُلُّ أَفْعَالِهَا فِي بَثِّ الوَسَاوِسِ النَّفْسِيَّةِ لِإِضْعَافِ هِمَّةِ المَصَابِ، وَيَسْهُلُ اقْتِلَاعُهَا لِأَنَّ طَاقَتَهَا أَوْهَنُ مِنْ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ إِذَا كُشِفَتْ.
فِرَاسَةُ رَصْدِ رُتْبَةِ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ المَـاكِرِ
إِذَا صَعِدْنَا فِي سُلَّمِ الرُّتَبِ، نَجِدُ أَنَّ رُتْبَةَ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ تَظْهَرُ بِعَلَامَاتٍ تَقُومُ عَلَى المَكْرِ وَالسُّرْعَةِ الفَائِقَةِ. المعَالِجُ الذَّكِيُّ يَقْرَأُ حُضُورَ العِفْرِيتِ مِنْ خِلَالِ الِاهْتِزَازِ المُتَلَاحِقِ وَالحَادِّ فِي إِبْهَامِ القَدَمِ، مَعَ رَفِيفٍ جَامِدٍ فِي أَجْفَانِ العَيْنَيْنِ لَا يَقْدِرُ المَرِيضُ عَلَى كَبْحِهِ. وَالعِفْرِيتُ صَاحِبُ اسْتِهْزَاءٍ؛ فَقَدْ يَلْجَأُ إِلَى نُطْقٍ سَاخِرٍ عَلَى لِسَانِ الحَالَةِ أَوْ إِصْدَارِ ضِحْكَاتٍ مُفَاجِئَةٍ لِإِرْعَابِ الطَّالِبِ. كَمَا تَتَمَيَّزُ طَاقَتُهُ بِإِشْعَالِ هَبَّاتٍ سَاخِنَةٍ تَسْرِي فِي الدَّمِ كَشَرَارَاتٍ كَهْرُبَائِيَّةٍ تَتَنَقَّلُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الجَسَدِ فِي جُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ نُفُوذَهُ نَارِيٌّ خَفِيفٌ يَعْتَمِدُ عَلَى المُرَاوَغَةِ لِلْإِفْلَاتِ مِنَ الحِصَارِ.
دَلَائِلُ حُضُورِ رُتْبَةِ المَارِدِ التُّرَابِيِّ العَنِيدِ
أَمَّا رُتْبَةُ المَارِدِ السُّفْلِيِّ فَهِيَ مَقَامُ الثِّقَلِ الرَّاسِخِ وَالكِبْرِ المُطْلَقِ دَاخِلَ البَدَنِ. المُعَالِجُ الفَاحِصُ يَعْرِفُ المَارِدَ بِمُجَرَّدِ حُدُوثِ صَمْتٍ كَثِيفٍ وَتَحَجُّرٍ صَلْبٍ فِي فَقَرَاتِ العَمُودِ الفِقْرِيِّ وَأَسْفَلِ الظَّهْرِ، كَأَنَّ جَسَدَ المَرِيضِ قَدْ صُبَّ فِيهِ الرَّصَاصُ فَيَعْجَزُ عَنِ التَّحَرُّكِ تَمَامَاً. لَا يَنْطِقُ المَارِدُ لِلْجِدَالِ، بَلْ يَنْظُرُ مِنْ عَيْنَي المَرِيضِ بِنَظْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالِاحْتِقَارِ وَالكِبْرِيَاءِ السُّفْلِيِّ. تَأْثِيرُهُ البَدَنِيُّ بَارِدٌ مَيِّتٌ؛ حَيْثُ يُسَبِّبُ بُرُودَةً ثَلْجِيَّةً فِي الأَقْدَامِ مَعَ صُدَاعٍ كُلِّيٍّ جَامِدٍ خَلْفَ الرَّأْسِ نَتِيجَةَ اسْتِقْرَارِهِ فِي المَرَاكِزِ الحَيَوِيَّةِ الكُبْرَى لِإِدَارَةِ الأَسْحَارِ المَقْبُورَةِ العَنِيدَةِ.
التَّكْتِيكُ الروحيُّ المَوْزُونُ لِدَحْرِ جَمِيعِ الرُّتَبِ
إِنَّ صَرَامَةَ العِلَاجِ تَقْتَضِي مِنْ طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ اسْتِعْمَالَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ مُوَجَّهَةٍ لِكُلِّ رُتْبَةٍ. الشَّيْطَانُ البَسِيطُ يُدْحَرُ بِتَطْهِيرِ الأَفْكَارِ وَالأَوْرَادِ اليَوْمِيَّةِ الصَّافِيَةِ. بَيْنَمَا العِفْرِيتُ النَّارِيُّ الخَفِيفُ يُحَارَبُ بِقَوَانِينِ الحَبْسِ وَالتَّقْيِيدِ بِآيَاتِ السَّلَاسِلِ وَالأَغْلَالِ، مَعَ اسْتِخْدَامِ المَاءِ البَارِدِ المُرَقَّى الَّذِي يُطْفِئُ ثَوَرَانَهُ النَّارِيَّ فَيَسْقُطُ مَسْجُوناً صَاغِراً. أَمَّا المَارِدُ الثَّقِيلُ فَلَا يُحَارَبُ بِالعَجَلَةِ، بَلْ يُدَكُّ كِبْرُهُ العَمِيقُ بِإِطَالَةِ مَقَامِ القِرَاءَةِ لِسُوَرِ القَهْرِ كَسُورَةِ الصَّافَّاتِ وَسُورَةِ قَافْ بِنَفَسٍ طَوِيلٍ، حَتَّى تَتَزَلْزَلَ عُقَدُهُ التُّرَابِيَّةُ دَاخِلَ الدَّمِ وَيَخْرُجَ هَالِكاً أَوْ صَاغِراً بِقُوَّةِ المَلِكِ الحَقِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي رُتَبِ الطُّغْيَانِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ السَّادِسَ عَشَرَ العِمْلَاقَ بِغَرْسِ شُعْلَةِ اليَقِينِ المُطْلَقِ فِي صُدُورِ طُلَّابِنَا المَيَامِينِ. مَهْمَا بَلَغَ تَفَاوُتُ الرُّتَبِ دَاخِلَ الأَبْدَانِ، مِنْ شَيْطَانٍ وَاسِعِ الوَسْوَاسِ، أَوْ عِفْرِيتٍ سَرِيعِ المُرَاوَغَةِ، أَوْ مَارِدٍ مُسْتَكْبِرٍ بِالحُصُونِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ جَمِيعاً يَنْحَلُّ كَالمِلْحِ فِي المَاءِ أَمَامَ بَهَاءِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا المَدَدُ الذِي يَسْتَمِدُّونَ مِنْهُ سُلْطَتَهُمْ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ، تَهَاوَتْ عُرُوشُهُمْ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment