دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
أَسْمَاءُ وَرُتَبُ قَادَةِ المَرَدَةِ فِي التَّارِيخِ الروحيِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي لَهُ الحُكْمُ وَلَهُ الأَمْرُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ، وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ الذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلَاحِمِ الهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ المَيَامِينِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الوُقُوفَ عَلَى فَهْمِ أَسْمَاءِ وَرُتَبِ قَادَةِ المَرَدَةِ فِي التَّارِيخِ الروحيِّ لَيْسَ بَاباً لِإِثَارَةِ الفُضُولِ العَبَثِيِّ، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ عِلْمِيَّةٌ صَارِمَةٌ يَجِبُ عَلَى طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ اسْتِيعَابُهَا بِيَقِينٍ طَاهِرٍ. إِنَّ صِدْقَ التَّشْخِيصِ البَاطِنِيِّ يَعْتَمِدُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَنَاصِبِ الخُصُومِ وَمَدَى سُلْطَتِهِمْ عَلَى جُيُوشِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ لِتَحْدِيدِ طَرِيقَةِ التَّطْهِيرِ. وَتَنْبِيهُنَا الرَّاسِخُ المَعْهُودُ أَنَّ هَذِهِ الحَقَائِقَ السِّرِّيَّةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ حِفْظاً لِلْمَوَازِينِ وَالأَبْدَانِ.
النِّظَامُ الرِّئَاسِيُّ وَتَوْزِيعُ الرُّتَبِ لِقَادَةِ المَرَدَةِ
إِنَّ التَّارِيخَ الروحيَّ الرَّصِينَ يَكْشِفُ أَنَّ قَادَةَ المَرَدَةِ فِي العَالَمِ السُّفْلِيِّ لَا يَعْمَلُونَ بِعَشْوَائِيَّةٍ، بَلْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى رُتَبٍ وِلَائِيَّةٍ وَتَنْفِيذِيَّةٍ صَارِمَةٍ خَاضِعَةٍ لِلْطَّوَاعِيتِ الكِبَارِ. تَبْدَأُ رُتَبُ القَادَةِ مِنْ “مَرَدَةِ الأَقَالِيمِ” وَهُمْ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِزِمَامِ السُّلْطَةِ الطَّاقِيَّةِ فَوْقَ رُقْعَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ كَالبِحَارِ المَهْجُورَةِ أَوِ الأَوْدِيَةِ السَّحِيقَةِ. ثُمَّ تَرْتَفِعُ المَرْتَبَةُ إِلَى رُتْبَةِ “قَادَةِ الجُيُوشِ” وَهُمْ المَرَدَةُ المَسْؤُولُونَ عَنْ تَوْجِيهِ آلَافِ الخُدَّامِ وَالشَّيَاطِينِ لِتَنْفِيذِ الأَسْحَارِ المَقْبُورَةِ العَنِيدَةِ. وَتَتَمَيَّزُ هَذِهِ الرُّتَبُ بِامْتِلَاكِهَا دُرُوعاً طَاقِيَّةً كَثِيفَةً جِدّاً مَبْنِيَّةً عَلَى عُنْصُرِ التُّرَابِ الثَّقِيلِ وَالفَحْمِ، مِمَّا يَمْنَحُ القَائِدَ قُدْرَةً هَائِلَةً عَلَى الثَّبَاتِ وَالِاحْتِمَالِ دَاخِلَ أَبْدَانِ البَشَرِ إِذَا غَفَلُوا عَنْ الحِصْنِ.
حَقِيقَةُ الأَسْمَاءِ السُّفْلِيَّةِ وَخُطُورَةُ التَّدَاوُلِ العَامِّيِّ
فِي كُتُبِ العَامَّةِ وَالمَخْطُوطَاتِ المَشْبُوهَةِ، تَنْتَشِرُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ يَدَّعِي مُصَنِّفُوهَا أَنَّهَا أَسْمَاءُ قَادَةِ الجِنِّ السُّفْلِيِّ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ كَثِيراً مِنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ هِيَ رُمُوزٌ بَرْمَجِيَّةٌ أَوْ شِفْرَاتٌ لِعُقَدٍ سِحْرِيَّةٍ تَهْدِفُ إِلَى اسْتِدْرَاجِ الطَّالِبِ لِلْوُقُوعِ فِي شِرَاكِ التَّخَبُّطِ. الأَسْمَاءُ الحَقِيقِيَّةُ لِقَادَةِ المَرَدَةِ لَا تُنْطَقُ هَكَذَا عَبَثاً، لِأَنَّ صَوْتَ النُّطْقِ الحَرْفِيِّ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ يُحْدِثُ ذَبْذَبَاتٍ طَاقِيَّةً بَارِدَةً تَجْذِبُ صِغَارَ الخُدَّامِ إِلَى المَكَانِ. المعَالِجُ البَصِيرُ يَعْلَمُ أَنَّ القَائِدَ السُّفْلِيَّ يَتَسَمَّى بِصِفَتِهِ أَوْ طَبِيعَةِ عَمَلِهِ (مِثْلَ خَادِمِ المَقَابِرِ العَاتِي أَوْ مَارِدِ الرَّحِمِ العَنِيدِ)، وَيَتَعَامَلُ مَعَهُ بِصِفَتِهِ كِيَاناً مَخْلُوقاً خَاضِعاً لَا يَمْلِكُ اسْمُهُ أَيَّ هَيْبَةٍ أَمَامَ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى النُّورَانِيَّةِ.
أَعْرَاضُ حُضُورِ وَتَسَلُّطِ قَادَةِ المَرَدَةِ عَلَى الأَبْدَانِ
تُعَلِّمُكُمْ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةُ الأَصِيلَةُ أَنْ تَقْرَؤُوا عَلَامَاتِ القَادَةِ بِدِقَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ لَا خَطَأَ فِيهَا. عِنْدَمَا يَكُونُ العَارِضُ المُتَسَلِّطُ بِمَرْتَبَةِ قَائِدٍ مِنَ المَرَدَةِ، نَجِدُ أَنَّ المَرِيضَ يُعَانِي مِنْ تَعْطِيلٍ كُلِّيٍّ وَصَارِمٍ لِجَمِيعِ مَرَافِقِ حَيَاتِهِ (تَعْطِيلٌ مُرَكَّبٌ لِلرِّزْقِ وَالقِرَانِ وَالعِلَاجِ نَتِيجَةَ سُلْطَةِ القَائِدِ عَلَى الخُدَّامِ). أَمَّا فِي البَدَنِ، فَيَظْهَرُ الأَثَرُ عَلَى شَكْلِ شَلَلٍ طَاقِيٍّ مُؤَقَّتٍ فِي العَمُودِ الفِقْرِيِّ، وَثِقَلٍ عِمْلَاقٍ يَجْعَلُ الحَالَةَ تَشْعُرُ بِأَنَّ بَدَنَهَا مَصْبُوبٌ بِالرَّصَاصِ، مَعَ صُدَاعٍ جَامِدٍ خَلْفَ الرَّأْسِ وَعِنَادٍ نَفْسِيٍّ شَدِيدٍ يَجْعَلُ المَصَابَ يَرْفُضُ سَمَاعَ آيَاتِ اللهِ بِكِبْرٍ غَرِيبٍ تَنْتَقِلُ فِيهِ صِفَةُ القَائِدِ المَارِدِ إِلَى طَبِيعَةِ المَرِيضِ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِرُتَبِ القَادَةِ السُّفْلِيِّينَ
فِي مَقَامِ الرُّؤَى، تَنْعَكِسُ هَيْبَةُ القَائِدِ المَارِدِ المَلْعُونَةُ عَلَى شَكْلِ كَوَابِيسَ مَمْلُوءَةٍ بِالتَّسَلُّطِ العَنِيدِ. يَرَى المَصَابُ نَفْسَهُ دَائِمَاً فِي حَضْرَةِ مُلُوكٍ أَوْ رُؤَسَاءَ ذَوِي وُجُوهٍ مُظْلِمَةٍ وَقَاسِيَةٍ يُصْدِرُونَ أَوَامِرَ بِحَبْسِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ، أَوْ يَرَى أَشْخَاصاً عِمْلَاقِي الطُّولِ يَجْلِسُونَ فَوْقَ عُرُوشٍ مَبْنِيَّةٍ مِنْ عِظَامٍ وَسْطَ مَقَابِرَ عَتِيقَةٍ. كَمَا يَتَكَرَّرُ لَدَيْهِ حِلْمُ الجَاثُومِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنَ الحَرَكَةِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ مَعَ شُعُورِهِ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِاحْتِقَارٍ وَكِبْرٍ شَدِيدٍ. هَذِهِ الإِشَارَاتُ البَرْمَجِيَّةُ المَنَامِيَّةُ تُثْبِتُ لِلطَّالِبِ أَنَّ العَارِضَ لَيْسَ خَادِماً بَسِيطاً بَلْ هُوَ قَائِدٌ يَحْمِي حِصْنَهُ دَاخِلَ الدَّمِ.
التَّكْتِيكُ الروحيُّ المَوْزُونُ لِدَكِّ رُتَبِ القَادَةِ
المُعَالِجُ الذَّكِيُّ فِي مَدْرَسَتِنَا لَا يُحَارِبُ قَائِدَ المَرَدَةِ بِالمُوَاجَهَةِ اللَّفْظِيَّةِ الصَّاخِبَةِ، لِأَنَّ الكِبْرَ عِنْدَ القَائِدِ يَجْعَلُهُ يَقْوَى بِالصُّرَاخِ، بَلْ يَتِمُّ دَحْرُهُ بِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ “عَزْلِ القَائِدِ عَنْ جُنُودِهِ”. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِتَطْهِيرٍ شَامِلٍ لِلْبَيْتِ وَأَفْكَارِ المَرِيضِ لِقَطْعِ المَدَدِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَقَامَ الدَّكِّ النُّورَانِيِّ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ القَهْرِ، وَالتَّذْلِيلِ، وَأَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى المَلَكِيَّةِ (مِثْلَ المَلِكِ، القُدُّوسِ، العَزِيزِ، الجَبَّارِ، المُتَكَبِّرِ) لِكَسْرِ كِبْرِيَائِهِ السُّفْلِيِّ. عِنْدَئِذٍ تَذُوبُ حُصُونُ المَارِدِ وَيَخْتَنِقُ فِي مَجَارِي الدَّمِ لِأَنَّ طَاقَتَهُ التُّرَابِيَّةَ الثَّقِيلَةَ لَا تَقْوَى عَلَى الصُّمُودِ أَمَامَ زِلْزَالِ أَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، فَيَنْهَارُ وَيَخْرُجُ صَاغِراً ذَلِيلاً أَوْ يَهْلِكُ دَاخِلَ البَدَنِ بِالقَهْرِ الإِلَهِيِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي عُرُوشِ القَادَةِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ العَاشِرَ العِمْلَاقَ بِغَرْسِ رَايَةِ اليَقِينِ المُطْلَقِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المبارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ رُتَبُ قَادَةِ المَرَدَةِ فِي التَّارِيخِ الروحيِّ، وَمَهْمَا بَنَوْا مِنَ المَمَالِكِ وَالعُرُوشِ السُّفْلِيَّةِ العَمِيقَةِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ يَنْحَلُّ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ نُورِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الَّذِي يَمُدُّهُمْ بِالقُوَّةِ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَتْ بَصِيرَتُكَ النُّورَانِيَّةُ، تَهَاوَتْ سُلْطَتُهُمْ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ.
Leave A Comment