دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
رُتَبُ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ وَعَلَاقَتُهُ بِالعَفَارِيتِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ النُّورَ وَالظُّلُمَاتِ، لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلَاحِمِ الأَنْوَرِ، وَالسِّرِّ الأَظْهَرِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالبَصَائِرِ النَّاقِدَةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِدْرَاكَ كُنْهِ رُتَبِ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ وَعَلَاقَتِهِ بِالعَفَارِيتِ يُعَدُّ مِنَ المَحَاوِرِ العِلْمِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي نَحْرِصُ عَلَى بَيَانِهَا لِطُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. إِنَّ التَّصَدِّيَ لِلْأَمْرَاضِ الرُّوحَانِيَّةِ المُعَقَّدَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِنَجَاحٍ إِذَا كَانَ الطَّالِبُ يَجْهَلُ المَوَازِينَ الطَّاقِيَّةَ لِلْخُصُومِ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى خِفَّةِ الِانْتِقَالِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ. وَكَمَا هُوَ دَيْدَنُنَا الرَّاسِخُ فِي هَذِهِ الأَكَادِيمِيَّةِ المِيْمُونَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَسْرَارَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ حِفْظاً لِلْعَقَائِدِ وَالأَبْدَانِ.
الجَوْهَرُ الطَّاقِيُّ لِلْجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ
إِنَّ التَّشْرِيحَ البَاطِنِيَّ لِكِيَانِ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ يَكْشِفُ عَنْ طَبِيعَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى عُنْصُرِ الهَوَاءِ الحَارِّ المَمْزُوجِ بِطَبَائِعِ النَّارِ الخَفِيفَةِ. هَذِهِ التَّرْكِيبَةُ الرَّشِيقَةُ تَمْنَحُ الجِنَّ الطَّيَّارَ هَيْكَلاً أَبْرَقَ يَتَمَيَّزُ بِسُرْعَةِ الِانْتِقَالِ الخَارِقَةِ بَيْنَ الأَمَاكِنِ وَالآفَاقِ فِي لَمْحِ البَصَرِ. الخَصَائِصُ الخَفِيَّةُ لِلْطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ تَرْتَكِزُ فِي عَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ الثَّابِتِ دَاخِلَ عُضْوٍ وَاحِدٍ دَاخِلَ البَدَنِ؛ فَهُوَ لَا يَمْلِكُ جُمُودَ المَرَدَةِ التُّرَابِيِّينَ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى المُرَاوَغَةِ الكَامِلَةِ. إِذَا شَعَرَ بِخَطَرِ القِرَاءَةِ، فَرَّ خَارِجَ الجَسَدِ أَوْ صَعِدَ إِلَى مَرَاكِزِ الفِكْرِ العُلْوِيَّةِ لِيَحْتَمِيَ عَنْ أَثَرَ التَّحْصِينِ المَبَاشِرِ، مِمَّا يَجْعَلُ حِصَارَهُ يَتَطَلَّبُ عِلْماً دَقِيقاً وَيَقَظَةً صَارِمَةً مِنَ المُعَالِجِ.
نِقَاطُ الِالْتِقَاءِ وَالعَلَاقَةِ الرَّسْمِيَّةِ بَيْنَ الطَّيَّارِ وَالعَفَارِيتِ
تَرْتَبِطُ رُتَبُ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ بِعَالَمِ العَفَارِيتِ ارْتِبَاطاً وِظِيفِيَّاً قَائِماً عَلَى المَكْرِ وَالسُّرْعَةِ النَّارِيَّةِ. فَالطَّيَّارُ السُّفْلِيُّ غَالِباً مَا يَعْمَلُ تَحْتَ إِمْرَةِ قَادَةِ العَفَارِيتِ كَقُوَّةٍ ضَارِبَةٍ لِحِمَايَةِ الأَسْحَارِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ التَّجْدِيدَ الخَارِجِيَّ المُرْتَبِطَ بِحَرَكَةِ الرِّيَاحِ أَوْ النُّجُومِ. يَقُومُ العِفْرِيتُ السُّفْلِيُّ بِوَضْعِ خُطَّةِ الأَذَى وَبَثِّ نِيرَانِ العَصَبِيَّةِ دَاخِلَ البَدَنِ، بَيْنَمَا يَتَوَلَّى الطَّيَّارُ مَهَمَّةَ نَقْلِ الإِشَارَاتِ الطَّاقِيَّةِ السَّلْبِيَّةِ بَيْنَ عُقَدِ السِّحْرِ المَدْفُونِ وَبَيْنَ عَقْلِ المَرِيضِ. هَذَا التَّمَازُجُ بَيْنَ السُّرْعَةِ الهَوَائِيَّةِ وَالمَكْرِ النَّارِيِّ هُوَ مَا يُسَبِّبُ الِاعْتِلَالَ المُتَنَقِّلَ الذِي يَعْجَزُ عَنْ تَفْسِيرِهِ طِبُّ الأَبْدَانِ، حَيْثُ تَعِيشُ الحَالَةُ فِي تَعْطِيلٍ مُسْتَمِرٍّ يَمْنَعُ عَنْهَا الِاسْتِقْرَارَ.
فِرَاسَةُ تَشْخِيصِ رُتَبِ الطَّيَّارِ أَثْنَاءَ غُرْفَةِ العِلَاجِ
تُعَلِّمُكُمْ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةُ الأَصِيلَةُ، الَّتِي نَحْنُ رُؤَسَاؤُهَا وَمُؤَسِّسُوهَا فِي هَذَا الصَّرْحِ الشَّرِيفِ، أَنْ تَقْرَؤُوا دَلَائِلَ الجِنِّ الطَّيَّارِ بِدِقَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ. عِنْدَمَا تَقْرَأُ آيَاتِ القَهْرِ عَلَى حَالَةٍ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا طَيَّارٌ سُفْلِيٌّ، سَتُلَاحِظُ اهْتِزَازاً مُفَاجِئاً وَتَقَطُّعاً فِي التَّنَفُّسِ كَأَنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ الِاقْتِلَاعَ مِنَ الأَرْضِ، مَعَ رَفِيفٍ حَادٍّ جِدَّاً فِي أَجْفَانِ العَيْنَيْنِ وَتَحَرُّكِ النَّبْضِ كَشَرَارَاتٍ كَهْرُبَائِيَّةٍ تَنْتَقِلُ لَمْحاً بَيْنَ الكَتِفَيْنِ وَأَطْرَافِ الأَصَابِعِ. وَالطَّيَّارُ السُّفْلِيُّ يَلْجَأُ لِلْصَّمْتِ أَوْ التَّخَفِّي الكَامِلِ لِيُوهِمَ الطَّالِبَ أَنَّ الجَسَدَ نَقِيٌّ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُ صَعِدَ خَارِجَ نِطَاقِ القِرَاءَةِ، مِمَّا يَفْرِضُ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالَ قَوَانِينَ الحَبْسِ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِطَاقَةِ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ
فِي مَقَامِ الرُّؤَى، تَنْعَكِسُ طَبِيعَةُ الجِنِّ الطَّيَّارِ الهَوَائِيَّةِ عَلَى شَاشَةِ الرُّؤْيَا لِلْمَسْحُورِ بِصُوَرٍ تَعْتَمِدُ عَلَى الِارْتِفَاعِ وَالفِرَارِ. يَرَى المَصَابُ نَفْسَهُ دَائِمَاً يَطِيرُ فِي الهَوَاءِ مُسْرِعاً فَوْقَ البِنَايَاتِ الشَّاهِقَةِ، أَوْ يَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ سُقُوطاً حُرّاً مِنْ أَمَاكِنَ عَالِيَةٍ دُونَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الأَرْضِ، مَعَ شُعُورِهِ بِالخَوْفِ الخَانِقِ أَثْنَاءَ الحِلْمِ. كَمَا يَتَكَرَّرُ لَدَيْهِ رُؤْيَةُ الطُّيُورِ الجَارِحَةِ السَّوْدَاءِ كَالغِرْبَانِ أَوِ الصُّقُورِ المَاسِخَةِ الَّتِي تُحَاوِلُ نَقْرَ رَأْسِهِ، أَوْ القَفْزَ السَّرِيعَ بَيْنَ السَّحَابِ المَظْلَمِ. هَذِهِ الإِشَارَاتُ البَرْمَجِيَّةُ المَنَامِيَّةُ تُثْبِتُ لِلطَّالِبِ أَنَّ العَارِضَ يَسْتَمِدُّ خِفَّتَهُ مِنْ رُتَبِ الطَّيَّارِ المَرْبُوطِ بِعَالَمِ العَفَارِيتِ.
التَّكْتِيكُ الروحيُّ المَوْزُونُ لِحَبْسِ وَدَكِ الطَّيَّارِ
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَتِنَا لَا يَتْرُكُ الجِنَّ الطَّيَّارَ يَرْتَفِعُ أَوْ يَقْطَعُ الحُدُودَ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى اسْتِرَاتِيجِيَّةِ “تَقْيِيدِ المَجَالِ الهَوَائِيِّ لِلْعَارِضِ. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِأَمْرِ الحَبْسِ الصَّارِمِ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ السَّلَاسِلِ، وَالأَغْلَالِ، وَالحِصَارِ، مِثْلَ سُورَةِ يس بِنِيَّةِ التَّقْيِيدِ، وَأَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرْقَانِ، مَعَ تِكْرَارِ آيَةِ الكُرْسِيِّ بِنِيَّةِ قَطْعِ طُرُقِ الهُرُوبِ خَارِجَ الأَبْدَانِ. عِنْدَئِذٍ، تَنْقَلِبُ خِفَّةُ الطَّيَّارِ إِلَى قُيُودٍ نَارِيَّةٍ تَحْرِقُ كِيَانَهُ دَاخِلَ مَجْرَى الدَّمِ، وَيَجِدُ نَفْسَهُ مَحْصُوراً بَيْنَ أَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفَرٌّ سِوَى الِانْصِيَاعِ وَالخُرُوجِ صَاغِراً دَاخِراً أَوْ الهَلَاكِ المَحْتُومِ بِالقَهْرِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَانْدِحَارِ رُتَبِ الخَفَايَا
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الرَّابِعَ عَشَرَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ بَيْرَقِ النَّصْرِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ رُتَبُ الجِنِّ الطَّيَّارِ السُّفْلِيِّ فِي المُرَاوَغَةِ، وَمَهْمَا كَانَتْ عَلَاقَتُهُ بِالعَفَارِيتِ النَّارِيَّةِ قَوِيَّةً لِتَعْطِيلِ سُبُلِ البَشَرِ، فَإِنَّ كِيَانَهُ يَنْحَلُّ كَالمِلْحِ فِي المَاءِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الذِي يَمُدُّهُمْ بِالبَقَاءِ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ صَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِم *بِالحَذَرِ الدَّقِيقِ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment