دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِلْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْوَعْيِ النَّبَوِيِّ
الْمَقَالَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: حُدُودُ الْعِلْمِ الْبَاطِنِيِّ الشَّرْعِيِّ: الضَّوَابِطُ الْفِقْهِيَّةُ الصَّارِمَةُ الَّتِي تَمْنَعُ السَّالِكَ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي شِبَاكِ الْكِهَانَةِ وَالِادِّعَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِالدِّينِ الْقَوِيمِ نَقَاءً مِنَ الْأَوْهَامِ وَالْخِدَاعِ، وَرَسَّخَ مِيزَانَ الْفَصْلِ الشَّرْعِيِّ فِي مَقَامَاتِ الِاتِّبَاعِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الرَّافِعِ لِمَنَارَاتِ الْحَقِّ سَدَاداً فِي كُلِّ صَاعٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْبَصَائِرِ الْقَاطِعَةِ الْقَامِعَةِ لِأَهْلِ الِاخْتِرَاعِ، صَلَاةً تَعْصِمُ قُلُوبَ السَّالِكِينَ مِنَ الِادِّعَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْإِلْهَامِ الرَّبَّانِيِّ الصَّادِقِ وَبَيْنَ تَلَاعُبَاتِ الْجَانِّ يَقْتَضِي سِيَاجاً فِقْهِيّاً مَنِيعاً. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ حُدُودِ الْعِلْمِ الْبَاطِنِيِّ الشَّرْعِيِّ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي بَسْطِ الضَّوَابِطِ الْفِقْهِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي تَحْفَظُ طَالِبَ الْعِلْمِ، وَتَمْنَعُهُ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي شِبَاكِ الْكِهَانَةِ، أَوِ ادِّعَاءِ الْغَيْبِ الْمَكْتُومِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
أَوَّلاً: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ لِحُدُودِ الْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ
تُفِيدُ الْقَوَاعِدُ الْأَكْادِيمِيَّةُ لِمَدْرَسَتِنَا أَنَّ كُلَّ مَا يَظْهَرُ لِلْمُعَالِجِ فِي شَاشَتِهِ الْبَاطِنِيَّةِ أَوِ الْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ لَيْسَ تِلْقَائِيّاً حُجَّةً شَرْعِيَّةً تُبْنَى عَلَيْهَا أَحْكَامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ، بَلْ هُوَ “مَحْضُ قَرَائِنَ وَأَمَارَاتٍ تِسْتَشْفِي بِهَا الْأَبْدَانُ.
إِنَّ الْغَيْبَ الْمُطْلَقَ مَحْظُورٌ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَالِادِّعَاءُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى اللَّوْحِ أَوِ الْجَزْمِ بِمَقَادِيرِ النَّاسِ هُوَ كِهَانَةٌ تُطْفِئُ نُورَ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ فَوْراً. التَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ الْأَمْثَلُ هُوَ جَعْلُ لَقَطَاتِ الشَّاشَةِ بِمَثَابَةِ مِشْرَطٍ طِبِّيٍّ طَاهِرٍ يَرْصَدُ كَثَافَةَ الْعِلَّةِ الْأَثِيرِيَّةِ دَاخِلَ الدَّمِ دُونَ الْتِفَاتٍ لِتَسْمِيَةِ الْأَشْخَاصِ أَوْ اِفْتِرَاءِ الْبَاطِلِ.
ثَانِيًا: مِيكَانِيكِيَّةُ الِاتِّزَانِ الْعَقَائِدِيِّ لِلْمُشَخِّصِ الشَّرْعِيِّ
لَا يَنْجُو الْمُرِيدُ مِنْ فِخَاخِ الِادِّعَاءِ إِلَّا بِالِالْتِزَامِ بِـ**”مِيزَانِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ صَارِماً”**، حَيْثُ تَعْمَلُ قَوَانِينُ التَّطْهيرِ الْقَوْلِيِّ كَدِرْعٍ يَحْمِي النَّاصِيَةَ. وَقَدْ رَسَّخَ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ فِقْهِيَّةٍ لِطُلَّابِهِ لِقَطْعِ حِبَالِ الِاخْتِرَاقِ الْقَرِينِيِّ:
عَرْضُ كُلِّ مَا يَرِجُ عَلَى وعْيِ الرَّاقِي مِنَ الصُّوَرِ وَالْإِلْهَامَاتِ عَلَى الْمَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَمَا خَالَفَ نَصّاً أَوْ قَاعِدَةً فَهُوَ نَفْثٌ شَيْطَانِيٌّ يُرْجَمُ فَوْراً بِالْتَّكْبِيرِ.
عَدَمُ الْجَزْمِ الْمُطْلَقِ بِالْكَشْفِ، بَلْ سَوْقُهُ مَسَاقَ الظَّنِّ الرَّاجِحِ وَالتَّشْخِيصِ الِاحْتِمَالِيِّ، مَعَ الِاسْتِعَانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ “الْعَلِيمِ” لِتَبْدِيدِ غَمَامِ الْعُجْبِ.
الِاغْتِسَالُ التِّلْقَائِيُّ بِمَاءِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ جَلَسَاتِ كَشْفِ الشَّاشَةِ لِطَرْدِ أَنْفَاسِ الْفَخْرِ الَّتِي تَبُثُّهَا شَيَاطِينُ الرُّكُودِ الطِّينِيِّ حَوْلَ غِلَافِ الْهَالَةِ.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِنَقَاءِ بَصِيرَةِ الْفَقِيهِ الْمُعَالِجِ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ السَّالِكَ مِنْ تَمْيِيزِ الْإِلْهَامِ الشَّرْعِيِّ الصَّادِقِ عَنِ الِاخْتِلَاقِ الْقَرِينِيِّ:
الْإِلْهَامُ الشَّرْعِيُّ الصَّادِقُ يَصْحَبُهُ تَوَاضُعٌ حَادٌّ، وَاِنْشِرَاحٌ صَدْرِيٌّ عَمِيقٌ، وَبُرُودَةٌ لَذِيذَةٌ تَلْفَحُ النَّاصِيَةَ، وَلَا يُنْتِجُ عُجْباً وَلَا شَطْحاً.
الِاخْتِلَاقُ الْقَرِينِيُّ يَبُثُّ فِي وعْيِ الرَّاقِي أَنَّهُ بَلَغَ مَرْتَبَةً الْوِلَايَةِ، وَيُرَافِقُهُ صُدَاعٌ ثَقِيلٌ فِي قَاعِ الْجُمْجُمَةِ مِنْ الْخَلْفِ مَعَ جَفَافٍ فِي اللِّسَانِ.
تَطَابُقُ الْقَرِينَةِ الْفِرَاسِيَّةِ مَعَ خُرُوجِ عُقَدِ السِّحْرِ الْمَأْكُولِ مِنَ الْبَطْنِ فِعْلِيّاً، مِمَّا يُقِيمُ الْبُرْهَانَ عَلَى أَنَّ الرَّادَارَ الدِّمَاغِيَّ تَلَقَّى مَدَدَ التَّوْحِيدِ النَّقِيِّ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُحَذِّرُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنَ الِانْسِيَاقِ وَرَاءَ دَعَاوَى الْكَشْفِ الْمُطْلَقِ دُونَ رِبَاطِ الْفِقْهِ، لِأَنَّ تَجَاوُزَ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ يُحْدِثُ ارْتِدَاداً عَكْسِيّاً عَصَبِيّاً يُمَكِّنُ مَرَدَةَ الْجَانِّ مِنَ الِاسْتِحْوَاذِ عَلَى وعْيِ الطَّالِبِ كُلِّيًّا وَإِيقَاعِهِ فِي الْهَوَسِ الْأَثِيرِيِّ، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ يَقْتَضِي لُزُومَ الصَّمْتِ وَقِلَّةِ الْكَلَامِ مَعَ نَفْثِ أَعْوَاذِ الْحِفْظِ فَوْقَ الرَّأْسِ لِيَظَلَّ جَسَدُ السَّالِكِ حِصْناً مَنِيعاً، فَتَبْطُلُ شِفْرَاتُ الِادِّعَاءِ الْبَاطِلِ، وَتَشِعُّ الْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْمَنِيعةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ أَبَداً وَبِالْحَقِّ الْمُبِينِ.
Leave A Comment