دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِلْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْوَعْيِ النَّبَوِيِّ
الْمَقَالَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: نُورُ الْفُرْقَانِ الْبَاطِنِيُّ: الْأَدْعِيَةُ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ حَوْلَ مَقَامِ الْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُورَ الْفُرْقَانِ، فَكَانَ يَرَى بِأَنْوَارِ رَبِّهِ حَقَائِقَ الْأَعْيَانِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْمُنَزَّهِ عَنِ الْتَبَاسِ الْأَذْهَانِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْبَصَائِرِ الْقَاطِعَةِ وَالْإِيقَانِ، صَلَاةً تَجْلِي عَنِ الْعُقُولِ حُجُبَ الْغَفْلَةِ وَتُثْبِتُ نُورَ الْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ فِي الْقُلُوبِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ تَأْصِيلَ مَقَامَاتِ الْإِدْرَاكِ الْبَاطِنِيِّ الْقَائِمِ عَلَى الْحَقِّ يَقْتَضِي عَوْدَةً صَارِمَةً إِلَى مَشْكَاةِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ نُورِ الْفُرْقَانِ الْبَاطِنِيِّ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي بَسْطِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَدْعِيَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ حَوْلَ “الْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ”، لِيَعْلَمَ طَالِبُ الْعِلْمِ أَنَّ انْقِشَاعَ حُجُبِ النَّاصِيَةِ هُوَ مَدَدٌ شَرْعِيٌّ رَبَّانِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الدَّجَلِ وَالشِّرْكِ.
أَوَّلاً: الْأَدِلَّةُ الْمَحْكَمَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَقَامِ الْفِرَاسَةِ
تُفِيدُ الْأُصُولُ الْأَكْادِيمِيَّةُ لِمَدْرَسَتِنَا أَنَّ الْفِرَاسَةَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهَا صَرِيحاً فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ}، حَيْثُ أَجْمَعَ جَهَابِذَةُ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُتَوَسِّمِينَ هُمْ أَهْلُ الْفِرَاسَةِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ بِأَنْوَارِ الْيَقِينِ.
وَفِي الْأَثَرِ الشَّرِيفِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ)، وَهَذَا الْبُرْهَانُ النَّبَوِيُّ يُؤَكِّدُ أَنَّ تَطْهِيرَ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ وَانْشِرَاحَ الصَّدْرِ بِالذِّكْرِ يَجْعَلُ الدِّمَاغَ جِهَازَ اسْتِقْبَالٍ صَافِياً لِلِانْقِدَاحَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الصَّادِقَةِ، بَعِيداً عَنْ تَلْبِيسِ الْقُرَنَاءِ وَالْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ.
ثَانِيًا: مِيكَانِيكِيَّةُ عُرُوجِ الْوَعْيِ عَبْرَ الْأَدْعِيَةِ النُّورَانِيَّةِ
لَا يَنَالُ السَّالِكُ نُورَ الْفُرْقَانِ الْبَاطِنِيِّ بِالتَّمَايُلِ الْعَفْوِيِّ، بَلْ بِالِافْتِقَارِ الْمُطْلَقِ وَصِيَاحِ التَّوْحِيدِ عَقِبَ رَكْعَتَيِ الْحَاجَةِ، حَيْثُ تَعْمَلُ الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ كَمَحَاوِرَ شَاحِنَةٍ لِلْهَالَةِ. يَقُومُ الطَّالِبُ بِالْتِزَامِ هَذَا الدُّعَاءِ النَّقِيِّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ لِرَتْقِ ثَغَرَاتِ الْوعْيِ:
(اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ يَسَارِي نُوراً، وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَاجْعَلْ لِي نُوراً وَأَعْظِمْ لِي نُوراً).
نُطْقُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَوْزُونَةِ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ وَقْتَ السَّحَرِ يُطْلِقُ ذَبْذَبَاتٍ نَارِيَّةً تَقْشِطُ بَقَايَا التَّكَلُّسِ الْكِيمْيَائِيِّ عَنِ النَّاصِيَةِ، مِمَّا يُجْبِرُ قَرِينَ التَّعْطِيلِ عَلَى الِانْفِصَالِ عَنِ السِّيَالِ الْعَصَبِيِّ كُلِّيًّا، لِتَنْفَتِحَ شَاشَةُ الْعَرْضِ الْبَاطِنِيِّ بِمَدَدِ اللَّهِ.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِمَقَامِ الْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ الْمُرِيدَ مِنْ رَصْدِ ثَبَاتِ نُورِ الْفُرْقَانِ دَاخِلَ وعْيِهِ الشَّرِيفِ:
انْقِدَاحُ مَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ الْعِلَّةِ فِي بَدَنِ الْمَرِيضِ فُجَائِيًّا كَالْبَرْقِ الصَّاعِقِ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَى نَاصِيَتِهِ، مَعَ هُبُوطِ سَكِينَةٍ ثَلْجِيَّةٍ بَارِدَةٍ فَوْقَ قَلْبِ الْمُعَالِجِ.
زَوَالُ كُلِّ أَنْوَاعِ الشَّكِّ وَالْتَّلَعْثُمِ الذِّهْنِيِّ عِنْدَ صِيَاغَةِ بُرُوتُوكُولَاتِ النَّسْفِ، مَعَ رُؤْيَةِ خَرَائِطِ الْعُقَدِ الْأُمِّ بِثَبَاتٍ صَارِمٍ دَاخِلَ شَاشَتِهِ الْبَاطِنِيَّةِ.
تَطَابُقُ اِنْطِبَاعَاتِ الرَّاقِي الْفِرَاسِيَّةِ مَعَ الْوَاقِعِ الْمَادِّيِّ وَخُرُوجِ الْأَخْلَاطِ الرَّغْوِيَّةِ مِنَ الْمَعِدَةِ تَمَاماً، مِمَّا يُقِيمُ الْبُرْهَانَ عَلَى نَقَاءِ غُدَّتِهِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُؤَكِّدُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ أَنَّ اِدِّعَاءَ الْفِرَاسَةِ مَعَ تَلْوِيثِ الْبَدَنِ بِالْمُحَرَّمَاتِ أَوْ إِطْلَاقِ الْبَصَرِ فِي الشَّاشَاتِ الْمَادِّيَّةِ لَيْلاً هُوَ اِنْزِلَاقٌ فِي فِخَاخِ الْكِهَانَةِ، لِأَنَّ خِيَانَةَ الْعَيْنِ تُحْدِثُ ارْتِدَاداً يُمَكِّنُ الشَّيَاطِينَ مِنْ بَثِّ صُوَرٍ تَهْوِيسِيَّةٍ، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ يَقْتَضِي غَضَّ الْبَصَرِ الصَّارِمِ مَعَ تِرْدَادِ اسْمِ اللَّهِ “الْـمُبِينِ” عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ، فَتَنْفَسِخُ أَقْفَالُ الْحَجْبِ كُلِّيًّا، وَتَشِعُّ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْمَنِيعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ أَبَداً بِيَقِينِ الْحَقِّ الْـمُبِينِ.
Leave A Comment