دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
طَبَقَاتُ العِصْيَانِ: أَسْرَارُ التَّرَاتُبِيَّةِ عِنْدَ شَيَاطِينِ الجِنِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَجَعَلَ لَهُ نِظَاماً مُحْكَمَاً، وَسُلْطَاناً قَائِماً، لَا يَخْرُجُ عَنْ عَدْلِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي كَوْنِهِ العَظِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي التُّقَى وَالبَصَائِرِ الحَادَّةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الِاحْتِرَافَ العِلْمِيَّ فِي فَهْمِ مَدَارِكِ الأَمْرَاضِ الرُّوحَانِيَّةِ يَفْرِضُ عَلَى طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ الإِحَاطَةَ الكَامِلَةَ بِمَا نُسَمِّيهِ بِـ “طَبَقَاتِ العِصْيَانِ”. إِنَّ العَالَمَ السُّفْلِيَّ لَيْسَ جَمَاعَاتٍ هَمَجِيَّةً تَتَحَرَّكُ بِلَا هَدَفٍ، بَلْ هُوَ هَيْكَلٌ مُنَظَّمٌ بِمُنْتَهَى الدِّقَّةِ يَقُومُ عَلَى أَسْرَارِ التَّرَاتُبِيَّةِ عِنْدَ شَيَاطِينِ الجِنِّ لِتَوْجِيهِ الأَذَى [🔎]. وَإِنَّ الجَهْلَ بِهَذِهِ التَّرَاتِيبِ المَلْعُونَةِ يَجْعَلُ المُعَالِجَ يُخْطِئُ فِي تَوْجِيهِ سِلَاحِ التَّطْهِيرِ، مِمَّا يُطِيلُ مَقَامَ العَارِضِ دَاخِلَ الأَبْدَانِ. وَنُؤَكِّدُ دَائِمَاً أَنَّ هَذَا العِلْمَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ وَلَا تُفْتَحُ مَغَالِيقُهُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ صِيَانَةً لِلْعَقِيدَةِ وَالبَدَنِ مِنَ الزَّلَلِ.
نِظَامُ الطَّاعَةِ العَمْيَاءِ دَاخِلَ طَبَقَاتِ العِصْيَانِ
إِنَّ النَّظْرَةَ البَاطِنِيَّةَ لِعَالَمِ الخَفَايَا تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةٍ صَارِمَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ شَيَاطِينَ الجِنِّ المُرْتَبِطِينَ بِالعَالَمِ السُّفْلِيِّ يَخْضَعُونَ لِنِظَامِ طَاعَةٍ قَهْرِيٍّ عَمْيَاءَ يَرْبِطُ الصِّغَارَ بِالكِبَارِ [🔎]. هَذِهِ التَّرَاتُبِيَّةِ لَيْسَتْ شَرَفِيَّةً، بَلْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مِقْدَارِ الخُبْثِ، وَالدَّنَاءَةِ، وَامْتِلَاكِ الطَّاقَةِ السَّلْبِيَّةِ الكَثِيفَةِ. يَتَلَقَّى خُدَّامُ الأَسْحَارِ الصِّغَارُ الأَوَامِرَ المُبَاشِرَةَ مِنْ عَفَارِيتِ الطَّبَقَاتِ النَّارِيَّةِ، وَتِلْكَ العَفَارِيتُ لَا تَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ المَرَدَةِ العُظَمَاءِ الَّذِينَ يَتَرَأَّسُونَ عُرُوشَ العِصْيَانِ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ [🔎]. هَذَا البِنَاءُ الهَرَمِيُّ المُحْكَمُ يَعْنِي أَنَّ أَيَّ تَعْطِيلٍ يَحْدُثُ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ هُوَ نَتِيجَةُ خُطَّةٍ بَرْمَجِيَّةٍ تُدِيرُهَا شَبَكَةٌ مُتَكَامِلَةٌ مِنَ الخُصُومِ.
التَّقْسِيمُ التَّنْفِيذِيُّ لِلْأَعْمَالِ الرُّوحَانِيَّةِ الخَبِيثَةِ
تَتَوَزَّعُ المَهَامُّ دَاخِلَ طَبَقَاتِ العِصْيَانِ بِحَيْثُ تَقُومُ كُلُّ رُتْبَةٍ بِدَوْرٍ مُحَدَّدٍ لِإِحْكَامِ التَّعْطِيلِ عَلَى المَسْحُورِ. فَالشَّيَاطِينُ النَّفَّاثَةُ فِي القَاعِدَةِ تَتَوَلَّى جِهَادَ بَثِّ الوَسَاوِسِ النَّفْسِيَّةِ اليَوْمِيَّةِ، وَإِثَارَةِ الشُّكُوكِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَصِنَاعَةِ الصُّدَاعِ المُتَنَقِّلِ لِإِتْعَابِ الرَّأْسِ. بَيْنَمَا تَتَدَخَّلُ طَبَقَةُ العَفَارِيتِ النَّارِيَّةِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَى الانْتِقَالِ السَّرِيعِ وَتَجْدِيدِ عُقَدِ السِّحْرِ المَدْفُونِ. أَمَّا المَرَدَةُ فِي قِمَّةِ الطَّبَقَاتِ، فَهُمْ المَسْؤُولُونَ عَنْ صِنَاعَةِ العُقَدِ الطَّاقِيَّةِ الجَامِدَةِ الَّتِي تَرْبِطُ العَارِضَ بِبَاطِنِ الأَعْضَاءِ الحَيَوِيَّةِ كَالأَرْحَامِ أَوْ الجِهَازِ العَصَبِيِّ النُّخَاعِيِّ، مِمَّا يُسَبِّبُ تَعْطِيلَ فُرَصِ الكَسْبِ وَالنُّفُورِ التَّامِّ عَنِ النُّورِ.
فِرَاسَةُ كَشْفِ التَّرَاتُبِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي مَقَامِ العِلَاجِ
إِنَّ تَا جَ مَدْرَسَتِنَا الشَّرِيفَةِ هُوَ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي تَنْتَزِعُ الحَقَائِقَ مِنْ لُغَةِ الجَسَدِ الحَتْمِيَّةِ. عِنْدَمَا تَقْرَأُ آيَاتِ القَهْرِ عَلَى المَصَابِ، تَنْكَشِفُ رُتْبَةُ العَارِضِ دَاخِلَ طَبَقَاتِ العِصْيَانِ رَغْماً عَنْ تَخَفِّيهِ. إِذَا كَانَ الخَصْمُ مِنْ صِغَارِ الخُدَّامِ، تَظْهَرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ وَتَنَمُّلٌ فِي أَصَابِعِ اليَدَيْنِ يَزُولُ بَعْدَ دَقَائِقَ. أَمَّا إِذَا كَانَ التَّسَلُّطُ مِنْ رُتْبَةِ عِفْرِيتٍ، فَيَظْهَرُ المَكْرُ فِي رَفِيفِ الأَجْفَانِ وَالحَرَكَاتِ السَّرِيعَةِ لِلِاسْتِهْزَاءِ مَعَ فَوْرَةٍ حَارَّةٍ فِي الدَّمِ. وَفِي حَالَةِ حُصُورِ قَائِدٍ مِنَ المَرَدَةِ، يَنْقَلِبُ المَقَامُ إِلَى ثِقَلٍ عِمْلَاقٍ يَجْعَلُ أَسْفَلَ الظَّهْرِ مُتَحَجِّراً تَمَامَاً مَعَ نَظْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالكِبْرِ وَالِاحْتِقَارِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ وَصَلَ إِلَى رَأْسِ الهَرَمِ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِرُتَبِ طَوَاغِيتِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
فِي مَقَامِ الرُّؤَى وَالكَوَابِيسِ، تَرْتَسِمُ حُدُودُ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ عَلَى شَاشَةِ النَّوْمِ لِلْمَسْحُورِ بِصُوَرٍ صَرِيحَةٍ. الرُّتَبُ الدُّنْيَا تَنْعَكِسُ عَلَى شَكْلِ مُطَارَدَاتٍ مِنْ حَيَوَانَاتٍ صَغِيرَةٍ أَوْ سَيرٍ فِي طُرُقٍ مَمْلُوءَةٍ بِالأَوْسَاخِ. أَمَّا الرُّتَبُ العُلْيَا مِنْ قَادَةِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ، فَتَأْتِي فِي المَنَامِ عَلَى شَكْلِ عِمْلَاقِي الطُّولِ شَدِيدِي السَّوَادِ يَجْلِسُونَ فَوْقَ عُرُوشٍ مَبْنِيَّةٍ مِنْ عِظَامٍ وَسْطَ مَقَابِرَ مَهْجُورَةٍ، أَوْ حُصُورِ كَابُوسِ الجَاثُومِ الصَّارِمِ الذِي يَكْبِلُ أَنْفَاسَ المَرِيضِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الصَّرَاخِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ [🔎]. هَذِهِ الإِشَارَاتُ البَرْمَجِيَّةُ المَنَامِيَّةُ تُثْبِتُ لِلطَّالِبِ تَمَامَاً أَنَّ طَاقَةَ الخَفَايَا تُحَاصِرُ جَسَدَ المَرِيضِ الأَثِيرِيِّ وَتَقْطَعُ عَنْهُ رَاحَةَ الِاسْتِقْرَارِ.
اسْتِرَاتِيجِيَّةُ الدَّكِّ البرمجيِّ لِتَفْكِيكِ طَبَقَاتِ العِصْيَانِ
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَتِنَا لَا يُضِيعُ وَقْتَهُ فِي مُحَارَبَةِ الصِّغَارِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى تَكْتِيكِ “دَكِّ الرُّؤُوسِ الكَبِيرَةِ لِتَتَهَاوَى القَاعِدَةُ. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِفَرْضِ الطَّهَارَةِ الصَّارِمَةِ لِلْمَرِيضِ وَبَيْتِهِ لِقَطْعِ المَدَدِ الطَّاقِيِّ الخَارِجِيِّ عَنِ الشَّيَاطِينِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَقَامَ الصَّدْمَةِ النُّورَانِيَّةِ بِقِرَاءَةِ سُوَرِ القَهْرِ وَالفَتْحِ العُظْمَى كَسُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَسُورَةِ الجِنِّ، وَسُورَةِ قَافْ بِنَفَسٍ طَوِيلٍ وَثَبَاتٍ نَفْسِيٍّ صَارِمٍ. عِنْدَمَا تَرْتَفِعُ نُورَانِيَّةُ البَدَنِ بَأَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى المَلَكِيَّةِ، تَنْحَلُّ عُقَدُ المَارِدِ التُّرَابِيَّةِ البَارِدَةِ دَاخِلَ الدَّمِ، وَتَنْقَطِعُ خِفَّةُ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ، فَيَفِرُّ الخُدَّامُ صَاغِرِينَ، فَلَا يَجِدُ القَائِدُ مَفَرّاً مِنَ الِانْصِيَاعِ وَالخُرُوجِ هَارِباً أَوْ الهَلَاكِ المَحْتُومِ بِسُلْطَانِ الحَقِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي أَرْكَانِ المَمَالِكِ السُّفْلِيَّةِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الثَّامِنَ عَشَرَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ بَيْرَقِ اليَقِينِ المُطْلَقِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المُبَارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ طَبَقَاتُ العِصْيَانِ فِي القُوَّةِ وَالتَّنْظِيمِ، وَمَهْمَا كَانَتْ أَسْرَارُ التَّرَاتُبِيَّةِ عِنْدَ شَيَاطِينِ الجِنِّ عَنِيدَةً فِي صِنَاعَةِ التَّعْطِيلِ وَحِصَارِ الأَبْدَانِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ جَمِيعاً يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الذِي يَمُدُّهُمْ بِالبَقَاءِ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ، تَهَاوَتْ عُرُوشُهُمْ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment