دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِلْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْوَعْيِ النَّبَوِيِّ
الْمَقَالَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: تَقْوَى الصَّدْرِ وَبَصِيرَةُ الْقَلْبِ: الْعَلَاقَةُ الطَّرْدِيَّةُ بَيْنَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَادِّيَّةِ وَتَدَفُّقِ أَنْوَارِ الْكَشْفِ الصَّادِقِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ جُعِلَتْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَهُ شِعَاراً، وَحِفْظُ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ مِعْيَاراً، سَيِّدِ الْمُتَّقِينَ وَإِمَامِ الْـمُسْتَبْصِرِينَ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الرَّافِعِ لِمَقَامِ الْإِحْسَانِ مَنَاراً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ النَّزَاهَةِ وَالْعَفَافِ، صَلَاةً تَشْحَنُ الصُّدُورَ بِالْيَقِينِ وَتَطْرُدُ كَدَرَ الِانْحِرَافِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الِاتِّصَالَ النُّورَانِيَّ الْمَحْضَ لَا يَقُومُ فِي جَسَدٍ تَلَوَّثَتْ جَوَارِحُهُ بِالْمَعَاصِي الْمَادِّيَّةِ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ تَقْوَى الصَّدْرِ وَبَصِيرَةِ الْقَلْبِ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي تَبْيِينِ الْعَلَاقَةِ الطَّرْدِيَّةِ الْحَاسِمَةِ بَيْنَ اِجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَادِّيَّةِ وَبَيْنَ تَدَفُّقِ أَنْوَارِ الْكَشْفِ الصَّادِقِ لَدَى طُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ.
أَوَّلاً: التَّشْرِيحُ الطَّاقِيُّ لِأَثَرِ الْمَعَاصِي فِي ثَقْبِ الْهَالَةِ
تُفِيدُ الْأُصُولُ الْأَكْادِيمِيَّةُ لِمَدْرَسَتِنَا أَنَّ اِقْتِرَافَ الذُّنُوبِ الْمَادِّيَّةِ (كَأَكْلِ الْحَرَامِ، وَسَمَاعِ الْفُحْشِ، وَخِيَانَةِ الْعَيْنِ) لَيْسَ مُجَرَّدَ إِثْمٍ شَرْعِيٍّ مَكْتُوبٍ، بَلْ هُوَ “مِقْذَفٌ أَثِيرِيٌّ سَالِبٌ يُحْدِثُ ثُقُوباً فَوْرِيَّةً فِي الْغِلَافِ الْحَيَوِيِّ لِلْبَدَنِ.
عِنْدَمَا تَتَمَزَّقُ الْهَالَةُ بِفِعْلِ هَذِهِ الِاخْتِرَاقَاتِ، يَقَعُ نَزِيفٌ حَادٌّ لِلْقُوَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْمَخْزُونَةِ دَاخِلَ الصَّدْرِ. تَسْتَغِلُّ شَيَاطِينُ الْقَبْضِ هَذِهِ الثَّغَرَاتِ لِتَصْعَدَ عَبْرَ الْعَصَبِ الْحَائِرِ نَحْوَ جِذْعِ الْمُخِّ، حَيْثُ تَصْنَعُ أَقْفَالاً كِلْسِيَّةً تَحْجِرُ خَلَايَا الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ وَتَطْمِسُ نُوَاةَ الدِّمَاغِ كُلِّيًّا عَنْ تَلَقِّي نَفَحَاتِ الْغَيْبِ.
ثَانِيًا: مِيكَانِيكِيَّةُ “التَّقْوَى الْعُضْوِيَّةِ” فِي جَلْبِ أَنْوَارِ الْفَتْحِ
إِنَّ الْكَشْفَ الصَّادِقَ لَا يَنْزِلُ فِي وعْيٍ رَاكِدٍ، بَلْ يَتَطَلَّبُ “بِيئَةً جَسَدِيَّةً طَاهِرَةً مُجَرَّدَةً” تَعْمَلُ كَـرَادَارٍ فُوتُونِيٍّ نَقِيٍّ. عِنْدَمَا يَكُفُّ الطَّالِبُ جَوَارِحَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، يَلْتَحِمُ نَسِيجُ هَالَتِهِ تِلْقَائِيّاً وَيَتَوَقَّفُ النَّزِيفُ الطَّاقِيُّ.
يَنْتِجُ عَنْ هَذَا الرَّتْقِ الْعَقَائِدِيِّ اِرْتِفَاعٌ حَادٌّ فِي مَوْجَاتِ “أَلْفَا” النُّورَانِيَّةِ لِلدِّمَاغِ؛ فَعِنْدَمَا يَشْرَعُ الْمُعَالِجُ الْمُتَّقِي فِي تِلَاوَةِ أَوْرَادِ مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، تَنْفَذُ أَمْوَاجُ الْقُرْآنِ كَالصَّوَاعِقِ لِتَنْسِفَ بَقَايَا التَّكَلُّسِ الْكِيمْيَائِيِّ عَنِ النَّاصِيَةِ، حَيْثُ تَنْقَدِحُ شَاشَةُ الْعَرْضِ الْبَاطِنِيِّ لَدَيْهِ لِيَرَى عِلَلَ الْأَبْدَانِ بِمَدَدِ مُلُوكِ مَمْلَكَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمَلِكِ مَحْمُودٍ صَافِياً جَلِيّاً.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِمَقَامِ تَقْوَى الصَّدْرِ لَدَى السَّالِكِ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ الْمُرِيدَ مِنْ رَصْدِ اِسْتِقْرَارِ أَنْوَارِ الْكَشْفِ نَتِيجَةَ الطَّهَارَةِ:
شُعُورُ الطَّالِبِ بِبُرُودَةٍ ثَلْجِيَّةٍ نَقِيَّةٍ تَنْبَعِثُ مِنْ عُمْقِ الصَّدْرِ وَتَرْتَفِعُ لِتَسْتَقِرَّ وَسَطِ الْجَبْهَةِ، مَعَ انْقِشَاعِ كُلِّ أَنْوَاعِ الضَّبَابِ الْفِكْرِيِّ التَّابِعِ.
الْقُدْرَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى تَفْكِيكِ الشِّفْرَاتِ الْمَنَامِيَّةِ وَالرُّؤْيَا الطَّيْفِيَّةِ فَوْرَ سَمَاعِهَا، نَتِيجَةَ نَقَاءِ عَدَسَةِ الْبَصِيرَةِ عَنْ تَمْوِيهِ الْقُرَنَاءِ.
اسْتِيقَاظُ السَّالِكِ وَقْتَ السَّحَرِ بِخِفَّةٍ حَادَّةٍ فِي الْأَكْتَافِ وَالْعَيْنَيْنِ، مَعَ لَذَّةٍ نَفْسِيَّةٍ تَدْفَعُهُ لِلْتِّلَاوَةِ لِسَاعَاتٍ دُونَ تَعَبٍ أَوْ نُعَاسٍ قَهْرِيٍّ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُحَذِّرُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنْ طَلَبِ الْفُتُوحَاتِ النُّورَانِيَّةِ لِمَنْ يُصِرُّ عَلَى الْمَعَاصِي الْمَادِّيَّةِ بِدَعْوَى قُوَّةِ أَوْرَادِهِ، لِأَنَّ قَوَانِينَ اللَّهِ فِي الْمَادَّةِ لَا تُحَابِي أَحَداً، وَالْإِصْرَارُ عَلَى التَّلْوِيثِ يُحْدِثُ اِرْتِدَاداً عَصَبِيّاً عَنِيفاً يُمَكِّنُ مَرَدَةَ الْجَانِّ مِنْ جَسَدِهِ، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ يَقْتَضِي غَضَّ الْبَصَرِ الصَّارِمِ وَتَطْهِيرِ الْمَأْكَلِ مَعَ نَفْثِ مَاءِ الْوَرْدِ الْمَشْحُونِ بِسُورَةِ النُّورِ فَوْقَ الْجَفْنَيْنِ، فَتَنْفَسِخُ أَقْفَالُ الْحَجْبِ كُلِّيًّا، وَتَشِعُّ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْمَنِيعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ أَبَداً بِالْحَقِّ الْمُبِينِ.
Leave A Comment