دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
رُتَبُ العَالَمِ السُّفْلِيِّ: كَيْفَ تَتَوَزَّعُ قُدُرَاتُ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ؟
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الدُّخُولَ إِلَى مَقَامَاتِ العِلَاجِ الروحيِّ الصَّحِيحِ يَفْرِضُ عَلَى طُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ فَهْمَ الخَرِيطَةِ التَّنْظِيمِيَّةِ لِلْخُصُومِ. إِنَّ العَالَمَ السُّفْلِيَّ لَيْسَ فَوْضَى عَرَضِيَّةً، بَلْ هُوَ نِظَامٌ مَبْنِيٌّ عَلَى طَبَقَاتٍ تَتَوَزَّعُ فِيهَا القُدُرَاتُ وَالمَهَامُّ بَيْنَ المَرَدَةِ العُظَمَاءِ وَالعَفَارِيتِ المَـاكِرَةِ بِمَوَازِينَ طَاقِيَّةٍ دَقِيقَةٍ. وَكَمَا هُوَ عَهْدُنَا الرَّاسِخُ، فَهَذِهِ الحَقَائِقُ لَا تُفْتَحُ أَبْوَابُهَا إِلَّا لِمَنْ أَخَذَ العِلْمَ مُشَافَهَةً وَتَحَصَّنَ بِاليَقِينِ المُطْلَقِ.
التَّقْسِيمُ الوَظِيفِيُّ لِقُدُرَاتِ العَفَارِيتِ فِي القَائِمَةِ السُّفْلِيَّةِ
تُمَثِّلُ العَفَارِيتُ دَاخِلَ هَذَا التَّسَلْسُلِ المَلْعُونِ القُوَّةَ التَّنْفِيذِيَّةَ السَّرِيعَةَ وَالحَارِقَةَ. تَرْتَكِزُ قُدُرَاتُ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ فِي سُرْعَةِ الِانْتِقَالِ الخَارِقَةِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنْ قَطْعِ المَسَافَاتِ بَيْنَ الأَمَاكِنِ وَالأَجْسَادِ فِي لَمْحِ البَصَرِ. وَتَعْتَمِدُ العَفَارِيتُ عَلَى طَاقَةٍ نَارِيَّةٍ حَادَّةٍ، لِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ تَأْثِيرَهَا المَبَاشِرَ عَلَى الإِنْسَانِ يَتَمَثَّلُ فِي إِثَارَةِ الشَّهَوَاتِ المُفَاجِئَةِ، وَالِانْفِعَالَاتِ العَنِيفَةِ الَّتِي تُفْقِدُ المَرِيضَ أَهْلِيَّةَ التَّحَكُّمِ فِي عَقْلِهِ. تَمْلِكُ العَفَارِيتُ أَيْضاً سُلْطَةً عَلَى تَحْرِيكِ المَوَادِّ وَصِنَاعَةِ الأَخْيِلَةِ دَاخِلَ المَنَازِلِ، مِمَّا يَجْعَلُ الحَالَةَ تَظُنُّ أَنَّ المَكَانَ مَسْكُونٌ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُ عِفْرِيتٌ سُفْلِيٌّ يَتَلَاعَبُ بِالطَّاقَةِ المَحَلِّيَّةِ لِبَثِّ الرُّعْبِ.
مَرَاتِبُ المَرَدَةِ: سُلْطَةُ القِيَادَةِ وَالهَيْكَلَةِ العَمِيقَةِ
إِذَا نَزَلْنَا أَعْمَقَ فِي جُحُورِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ، نَجِدُ أَنَّ المَرَدَةَ هُمْ أَصْحَابُ الحُكْمِ وَالتَّخْطِيطِ. لَا يَتَدَخَّلُ المَارِدُ السُّفْلِيُّ فِي الأَذَى اليَوْمِيِّ الخَفِيفِ، بَلْ يُمْسِكُ بِزِمَامِ السِّحْرِ العَقِيدِ العَنِيدِ مِثْلَ سِحْرِ المَقَابِرِ أَوْ السِّحْرِ المَأْكُولِ الدَّفِينِ. تَتَمَحْوَرُ قُدُرَاتُ المَرَدَةِ حَوْلَ صِنَاعَةِ العُقَدِ الطَّاقِيَّةِ المُتَمَاسِكَةِ الَّتِي تَرْبِطُ العَارِضَ بِخَلَايَا الجَسَدِ، مِمَّا يَجْعَلُ فَكَّ التَّبِعَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى نَحْتٍ بَصِيرٍ مِنَ المُعَالِجِ. يَمْلِكُ المَارِدُ سُلْطَةً تَبَعِيَّةً عَلَى جُيُوشٍ مِنَ الخُدَّامِ، حَيْثُ يَسْتَقِرُّ هُوَ فِي عُمْقِ البَدَنِ (غَالِباً فِي العَقْلِ أَوْ الرَّحِمِ) وَيُوَجِّهُ صِغَارَ الشَّيَاطِينِ لِإِتْمَامِ التَّعْطِيلِ فِي حَيَاةِ المَرِيضِ.
آلِيَّةُ تَوْزِيعِ الأَدْوَارِ بَيْنَ طَبَقَاتِ الخَفَايَا
إِنَّ التَّنَاسُقَ بَيْنَ المَارِدِ وَالعِفْرِيتِ فِي خِطَطِ الأَذَى يُمَثِّلُ شَبَكَةً مُعَقَّدَةً. يَقُومُ المَارِدُ بِوَضْعِ الخُطَّةِ وَتَثْبِيتِ العُقْدَةِ الرَّئِيسِيَّةِ لِلسِّحْرِ لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ التَّعْطِيلِ الطَّوِيلِ، بَيْنَمَا يَتَوَلَّى العِفْرِيتُ حِمَايَةَ هَذِهِ العُقَدِ بِالمُنَاوَرَةِ وَالتَّشَكُّلِ السَّرِيعِ أَثْنَاءَ سَمَاعِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ. هَذَا التَّمَازُجُ بَيْنَ الثِّقَلِ وَالكِبْرِ (عِنْدَ المَارِدِ) وَبَيْنَ الخِفَّةِ وَالمَكْرِ (عِنْدَ العِفْرِيتِ) هُوَ مَا يُسَمِّيهِ العَامَّةُ بِالسِّحْرِ المُسْتَعْصِي. لَكِنَّ المعَالِجَ البَصِيرَ الَّذِي يَقْرَأُ نَبْضَ الحَالَةِ بِدِقَّةٍ، يَسْتَطِيعُ تَفْكِيكَ هَذِهِ الأَدْوَارِ وَمَعْرِفَةَ مَنْ يَعْقِدُ وَمَنْ يَحْمِي لِيَضْرِبَ العِلَاجَ فِي مَوْضِعِهِ القَاتِلِ.
نِقَاطُ الِاخْتِلَافِ الجَوْهَرِيَّةِ فِي الفِرَاسَةِ العِلَاجِيَّةِ
لِكَيْ نُمَيِّزَ تَوْزِيعَ القُدُرَاتِ عِنْدَ القِرَاءَةِ، نَعْتَمِدُ عَلَى لُغَةِ الجَسَدِ الطَّاقِيَّةِ. العِفْرِيتُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ سَرِيعاً فِي اهْتِزَازِ الأَطْرَافِ، وَرَفِيفِ العَيْنَيْنِ المُتَلَاحِقِ، وَالحَرَكَةِ الفُجَائِيَّةِ لِلِاسْتِهْزَاءِ. أَمَّا المَارِدُ فَيَظْهَرُ عِنْدَ غَضَبِهِ عَلَى شَكْلِ ثِقَلٍ عِمْلَاقٍ يَجْعَلُ المَرِيضَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِ قَدَمَيْهِ، مَعَ صَمْتٍ طَوِيلٍ وَنَظْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالكِبْرِيَاءِ وَالِاحْتِقَارِ. مَعْرِفَةُ هَذِهِ الفُرُوقِ الوَظِيفِيَّةِ تَمْنَحُ طَالِبَ العِلْمِ ثَبَاتاً نَفْسِيّاً مَتِيناً، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قُوَّةَ عِدَائِهِ مَحْصُورَةٌ فِي نِطَاقٍ بَرْمَجِيٍّ مَخْلُوقٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّجَاوُزُ عَنْهُ أَبَداً.
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ وَانْكِسَارُ الرُّتَبِ السُّفْلِيَّةِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الثَّالِثَ بِإِيقَادِ شُعْلَةِ اليَقِينِ فِي قُلُوبِ السَّالِكِينَ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. إِنَّ رُتَبَ العَالَمِ السُّفْلِيِّ بِكُلِّ تَشَعُّبَاتِهَا، وَقُدُرَاتِ المَرَدَةِ بِكُلِّ حُصُونِهَا، وَعَتَاوَةَ العَفَارِيتِ بِكُلِّ نِيرَانِهَا، تَتَلَاشَى وَتَنْهَارُ كَالهَبَاءِ إِذَا قُوبِلَتْ بِصِدْقِ اليَقِينِ وَإِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ. كُلُّ هَذِهِ التَّرَاتِيبِ المَلْعُونَةِ خَاضِعَةٌ تَحْتَ القَهْرِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ. كُنْ فِي قَلْعَةِ طَهَارَتِكَ، وَاحْفَظْ جَوَارِحَكَ مِنَ المَعَاصِي، وَتَمَسَّكْ بِبَصِيرَتِكَ المَعْهُودَةِ لِتَكُونَ قَاطِعاً لِأَوْصَالِهِمْ. وَاحْفَظْ سِرَّكَ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الشَّدِيدِ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً وَتَسْتَقِرَّ أَنْوَارُ النَّصْرِ الرَّبَّانِيِّ.
Leave A Comment