دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِلْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْوَعْيِ النَّبَوِيِّ
الْمَقَالَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: فِقْهُ الصَّمْتِ وَالِاعْتِزَالِ الطَّاقِيِّ: أَثَرُ تَقْلِيلِ الْكَلَامِ فِي تَجْمِيعِ الطَّاقَةِ الْحَيَوِيَّةِ وَتَكْثِيفِ الْفَهْمِ اللَّدُنِّيِّ لِلْقُرْآنِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ أَهْلِ الِاعْتِكَافِ وَالِابْتِهَالِ، مَنْ كَانَ صَمْتُهُ فِكْراً وَنُطْقُهُ ذِكْراً فِي كُلِّ حَالٍ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الرَّافِعِ لِرَايَاتِ الصَّفَاءِ وَالْجَلَالِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْخَلْوَةِ الطَّاهِرَةِ وَالْأَفْضَالِ، صَلَاةً تَجْمَعُ شَتَاتَ الْقُلُوبِ وَتَطْرُدُ عَنِ النَّاصِيَةِ طَاقَاتِ الِارْتِبَاكِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ حِفْظَ النَّفَسِ الْحَيَوِيِّ عَنِ الْهَدْرِ اللَّفْظِيِّ يُعَدُّ الْمَدْخَلَ الْأَوَّلَ لِتَكْثِيفِ قُوَّةِ الِاسْتِقْبَالِ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ فِقْهِ الصَّمْتِ وَالِاعْتِزَالِ الطَّاقِيِّ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي شَرْحِ أَثَرِ تَقْلِيلِ الْكَلَامِ فِي تَجْمِيعِ الطَّاقَةِ الْحَيَوِيَّةِ لِلْبَدَنِ، وَكَيْفَ يُسْهِمُ هَذَا الِاعْتِزَالُ الْمَوْزُونُ فِي تَكْثِيفِ الْفَهْمِ اللَّدُنِّيِّ لِقُرْآنِ الْفَجْرِ لَدَى طُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ.
أَوَّلاً: التَّشْرِيحُ الطَّاقِيُّ لِهَدْرِ الطَّاقَةِ عَبْرَ فُضُولِ الْكَلَامِ
تُفِيدُ الْخِبْرَةُ الْأَكْادِيمِيَّةُ لِمَدْرَسَتِنَا أَنَّ النُّطْقَ الْبَشَرِيَّ لَيْسَ خُرُوجاً لِلْأَصْوَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مُجَرَّداً، بَلْ هُوَ “تَفْرِيغٌ كَهْرُومَغْنَاطِيسِيٌّ مُسْتَمِرٌّ لِلطَّاقَةِ الْحَيَوِيَّةِ الْمَخْزُونَةِ دَاخِلَ الصَّدْرِ وَالدِّمَاغِ.
عِنْدَمَا يَسْتَغْرِقُ الطَّالِبُ فِي الْجِدَالِ الْمَادِّيِّ وَفُضُولِ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ، تَنْخَفِضُ شَحْنَةُ هَالَتِهِ تِلْقَائِيّاً، وَيَحْدُثُ تَرَاجُعٌ حَادٌّ فِي تَدَفُّقِ السِّيَالِ الْعَصَبِيِّ النُّورَانِيِّ نَحْوَ جِذْعِ الْمُخِّ؛ فَتَسْتَغِلُّ شَيَاطِينُ الرُّكُودِ هَذَا الْإِجْهَادَ اللَّفْظِيَّ لِتَكْثِيفِ عُقُودِ الْحَجْبِ فَوْرَ قِشْرَةِ الرَّأْسِ، مِمَّا يُصِيبُ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِالْخَمَلِ وَيَمْنَعُ انْفِتَاحَ عَدَسَةِ الْبَصِيرَةِ.
ثَانِيًا: مِيكَانِيكِيَّةُ الصَّمْتِ فِي تَكْثِيفِ الْفَهْمِ اللَّدُنِّيِّ
لَا يَقُومُ فِقْهُ الصَّمْتِ عَلَى حَبْسِ اللِّسَانِ تَعَسُّفاً، بَلْ هُوَ “بُرُوتُوكُولٌ شَرْعِيٌّ لِرَتْقِ وَلِحَامِ فُرَجِ الْهَالَةِ”. عِنْدَمَا يَعْتَزِلُ الْمُرِيدُ النَّاسَ طَاقِيّاً وَيَلْتَزِمُ الصَّمْتَ الْمَوْزُونَ، يَتَوَقَّفُ نَزِيفُ الشُّحُنَاتِ الْمُوجِبَةِ، وَتَرْتَدُّ الطَّاقَةُ الْمَحْقُونَةُ لِتَتَجَمَّعَ دَاخِلَ النَّاصِيَةِ.
يُؤَدِّي هَذَا التَّكْثِيفُ الْبَاطِنِيُّ إِلَى حُصُونِ الدِّمَاغِ بِأَمْوَاجِ “أَلْفَا” النُّورَانِيَّةِ؛ فَعِنْدَمَا يَشْرَعُ السَّالِكُ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ السَّحَرِ، تَنْفَجِرُ عُقَدُ التَّكَلُّسِ الْكِيمْيَائِيِّ فَوْراً لِقُوَّةِ الضَّغْطِ الْهَيْدُرُولِيكِيِّ الدَّاخِلِيِّ، وَتَنْفَتِحُ “شَاشَةُ الْعَرْضِ الْبَاطِنِيِّ” بِنَقَاءٍ بِكْرٍ لِيَتَلَقَّى الْعَقْلُ الْبَاطِنُ انْقِدَاحَاتِ الْفَهْمِ اللَّدُنِّيِّ الْعَمِيقِ بِمَدَدِ التَّوْحِيدِ النَّقِيِّ.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِنَجَاحِ الِاعْتِزَالِ الطَّاقِيِّ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ طَالِبَ مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنْ رَصْدِ شَحْنِ جَسَدِهِ بَعْدَ الصَّمْتِ:
شُعُورُ السَّالِكِ بِبُرُودَةٍ ثَلْجِيَّةٍ لَذِيذَةٍ تَسْتَقِرُّ وَسَطِ الْجَبْهَةِ وَبَيْنَ الْعَيْنَيْنِ، مَعَ زَوَالِ كُلِّ أَنْوَاعِ الصُّدَاعِ وَالضَّبَابِ الْفِكْرِيِّ التَّابِعِ.
تَدَفُّقُ قُوَّةِ اسْتِيعَابٍ حَادَّةٍ فُجَائِيَّةٍ تَجْعَلُ الْمُرِيدَ يَفْهَمُ أَسْرَارَ الْآيَاتِ وَتَشْخِيصَاتِ الْأَبْدَانِ كَأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ أَمَامَ بَصِيرَتِهِ بِلَا جَهْدٍ ذِهْنِيٍّ.
اسْتِيقَاظُ الطَّالِبِ وَقْتَ السَّحَرِ بِقَلْبٍ نَابِضٍ نَشِطٍ، مَعَ تَذَكُّرِ رُؤْى مَنَامِيَّةٍ صَادِقَةٍ مَشْحُونَةٍ بِالْأَلْوَانِ السَّاطِعَةِ تَبُثُّهَا الصَّنَوْبَرِيَّةُ النَّقِيَّةُ بِمَدَدِ مُلُوكِ الْمَمْلَكَةِ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُحَذِّرُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنْ صَمْتِ الْغَفْلَةِ الَّذِي يَصْحَبُهُ كَثْرَةُ التَّفْكِيرِ فِي مَشَاغِلِ الدُّنْيَا الْمَادِّيَّةِ، لِأَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ الْقَهْرِيَّ يُحْدِثُ اِحْتِقَاناً أَثِيرِيّاً أَشَدَّ سُمِّيَّةً مِنَ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ يَشُلُّ نُوَاةَ الدِّمَاغِ، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ الصَّمْتِ بِـتِرْدَادِ الْأَذْكَارِ الْمَكْتُومَةِ بِالْقَلْبِ مَعَ نَفْثِ مَاءِ الْوَرْدِ فَوْقَ الصَّدْرِ لِتَظَلَّ الْمَسَامُ مَنِيعَةً، فَتَنْفَسِخُ أَقْفَالُ الْحَجْبِ كُلِّيًّا، وَتَشِعُّ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْمَنِيعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ أَبَداً بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَسُلْطَانِهِ الرَّصِينِ.
Leave A Comment