دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: شِفْرَاتُ فَتْحِ الشَّاشَةِ وَالرُّؤْيَةِ الطَّيْفِيَّةِ الْأَثِيرِيَّةِ
الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْخَيَالُ الْعَقْلِيُّ وَالْكَشْفُ الصَّادِقُ: الْفُرُوقُ التَّشْرِيحِيَّةُ الصَّارِمَةُ بَيْنَ أَوْهَامِ النَّفْسِ الْكَاذِبَةِ وَبَيْنَ أَنْوَارِ الْبَصِيرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ جُلِيَتْ لَهُ حَقَائِقُ الْقُدْسِ فَمَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، بَابِ الْفُتُوحِ وَالْـمَدَدِ الْمُصَفَّى مِنَ الْهَوَى، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْهَادِي إِلَى مَقَامَاتِ الْيَقِينِ وَالتَّقْوَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْفَصْلِ وَالنَّزَاهَةِ الْعُظْمَى، صَلَاةً تَقْطَعُ حُجُبَ التَّخْيِيلِ وَتُثَبِّتُ رَايَاتِ الْأَنْوَارِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الِانْزِلَاقَ فِي أَوْهَامِ الْفِكْرِ الْمَادِّيِّ يُعَدُّ أَكْبَرَ ثَغْرَةٍ تُهَدِّدُ مَسِيرَةَ طُلَّابِ الْكَشْفِ الشَّرْعِيِّ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخَيَالِ الْعَقْلِيِّ وَالْكَشْفِ الصَّادِقِ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي تَقْدِيمِ الْفُرُوقِ التَّشْرِيحِيَّةِ الصَّارِمَةِ بَيْنَ حَرَكَةِ الصُّوَرِ النَّفْسِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنَ الْفِصِّ الصَّدْغِيِّ، وَبَيْنَ أَنْوَارِ الْبَصِيرَةِ النَّقِيَّةِ الْمُنْعَكِسَةِ عَبْرَ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ.
أَوَّلاً: التَّشْرِيحُ الْبِيُولُوجِيُّ لِتَوَلُّدِ الصُّوَرِ (الْوَهْمُ ضِدَّ النُّورِ)
يُمَثِّلُ الدِّمَاغُ الْبَشَرِيُّ سَاحَةً لِتَدَافُّعِ التَّرَدُّدَاتِ؛ حَيْثُ يَقُومُ الْخَيَالُ الْعَقْلِيُّ الْمَادِّيُّ عَلَى “اِسْتِرْجَاعِ الذَّاكِرَةِ الْبَصَرِيَّةِ الْمَخْزُونَةِ” دَاخِلَ الْخَلَايَا النِّيُورُونِيَّةِ، مِمَّا يَصْنَعُ صُوَراً مَصْنُوعَةً يَقُودُهَا الْهَوَى أَوْ خَوْفُ النَّفْسِ.
أَمَّا الْكَشْفُ الصَّادِقُ، فَهُوَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الذَّاكِرَةِ الْمَادِّيَّةِ تِلْقَائِيًّا، بَلْ يَنْشَأُ كَـ “إِرْسَالٍ فُوتُونِيٍّ خَارِجِيٍّ نَقِيٍّ” يَعْبُرُ الْهَالَةَ الْمُرَمَّمَةَ لِيَصْدِمَ عَدَسَةَ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ، فَتَقُومُ بِعَرْضِهِ عَلَى شَاشَةِ الْوَعْيِ الْأَمَامِيَّةِ كَلَقْطَةٍ بِكْرٍ لَمْ يَسْبِقْ لِلْعَقْلِ رُؤْيَتُهَا، وَهُوَ الْفَرْقُ التَّشْرِيحِيُّ الْأَوَّلُ الَّذِي يَحْمِي الطَّالِبَ مِنَ الِانْخِرَاطِ فِي خُدَعِ الشَّيَاطِينِ.
ثَانِيًا: مِيكَانِيكِيَّةُ الْقَبْضِ التَّخْيِيلِيِّ لِلْقَرِينِ
تَعْمَدُ الشَّيَاطِينُ وَأَرْصَادُ الْحَجْبِ إِلَى اِسْتِغْلَالِ طَاقَةِ الْقَلَقِ دَاخِلَ الْجُمْجُمَةِ لِصُنْعِ “التَّلْبِيسِ الْبَصَرِيِّ”. يَقُومُ الْقَرِينُ الْمُتَمَرِّدُ بِبَثِّ صُوَرٍ مُشَوَّهَةٍ مُتَسَارِعَةٍ دَاخِلَ وعْيِ الطَّالِبِ أَثْنَاءَ الْكَشْفِ لِإِيهَامِهِ بِأَنَّهُ مَفْتُوحٌ عَلَيْهِ، لِيَجُرَّهُ نَحْوَ الْكِهَانَةِ.
تَنْكَشِفُ هَذِهِ الْخَدِيعَةُ عِنْدَ صَعْقِ النَّاصِيَةِ بِـآيَاتِ الْفُرْقَانِ؛ إِذْ تَذُوبُ صُوَرُ الْخَيَالِ النَّفْسِيِّ الْعَائِدَةِ لِلْمَادِّةِ فَوْراً لِأَنَّهَا بِلَا كَثَافَةٍ أَثِيرِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَثْبُتُ أَنْوَارُ الْبَصِيرَةِ الصَّادِقَةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ مَدَدِ مَمْلَكَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمَلِكِ مَحْمُودٍ، لِأَنَّهَا شِفْرَةٌ رَبَّانِيَّةٌ مَحْكُومَةٌ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ الشَّرْعِيِّ الطَّاهِرِ.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِتَمْيِيزِ الْكَشْفِ الصَّادِقِ عَنِ الْوَهْمِ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ الْمُرِيدَ مِنْ فَرْزِ لَقَطَاتِ شَاشَتِهِ بِيَقِينٍ صَارِمٍ:
الْخَيَالُ الْكَاذِبُ يَكُونُ مُتَقَلِّباً، مُتَسَارِعاً، يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ رَغْبَةِ النَّفْسِ، وَيَصْحَبُهُ صُدَاعٌ تَوْتُرِيٌّ دَاخِلَ الْجَبْهَةِ مَعَ جَفَافٍ فِي الْحَلْقِ.
الْكَشْفُ الصَّادِقُ يَنْزِلُ فُجَائِيًّا كَالصَّدْمَةِ الْبَارِدَةِ، يَثْبُتُ كَصُورَةٍ فُوتُوغْرَافْيَّةٍ صَمَّاءَ لَا تَتَغَيَّرُ رَغْمَ مُحَاوَلَةِ الْعَقْلِ طَرْدَهَا، وَيَصْحَبُهُ خِفَّةٌ مُطْلَقَةٌ فِي الرَّأْسِ وَانْشِرَاحٌ صَدْرِيٌّ لَذِيذٌ.
تَطَابُقُ الرُّؤْيَةِ الطَّيْفِيَّةِ مَعَ الْوَاقِعِ الْمَادِّيِّ بَعْدَ الْجَلْسَةِ بِنِسْبَةٍ مُطْلَقَةٍ، مِمَّا يُقِيمُ الْبُرْهَانَ لِلطَّالِبِ أَنَّ غُدَّتَهُ الصَّنَوْبَرِيَّةَ بَثَّتْ نُوراً يَقِينِيًّا مُنَزَّهاً عَنِ الْتَّلْبِيسِ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُحَذِّرُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنْ تَعْجِيلِ الْكَشْفِ قَبْلَ تَمَامِ لِحَامِ الْهَالَةِ وَالتَّطْهِيرِ الْعُضْوِيِّ مِنَ الْفُلُورَايْدِ، لِأَنَّ الِاسْتِعْجَالَ يُجْبِرُ الدِّمَاغَ عَلَى اسْتِخْدَامِ مَخْزُونِ الْخَيَالِ النَّفْسِيِّ، مِمَّا يَفْتَحُ بَوَّابَةً لِاخْتِرَاقِ مَرَدَةِ الْجَانِّ وَالْوُقُوعِ فِي عُقُوبَةِ “الِاحْتِقَانِ الْهَوَسِيِّ”، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ بِخِبْرَتِهِ يَقْتَضِي قَطْعَ الِالْتِفَاتِ لِلصُّوَرِ أَوَّلًا وَتِلَاوَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ بِنِيَّةِ الطَّرْدِ، فَمَا زَالَ عَفْواً فَهُوَ وَهْمٌ نَفْسِيٌّ، وَمَا ثَبَتَ بِالْحَقِّ فَهُوَ نُورُ الْبَصِيرَةِ الْمَنِيعَةِ الَّتِي تَشِعُّ بِبَرَكَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ تَمَاماً.
Leave A Comment