دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
كَيْفَ يَتَمَيَّزُ العِفْرِيتُ عَنِ المَارِدِ فِي الطَّاقَةِ وَالتَّأْثِيرِ؟
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وَجَعَلَ لِلْعَوَالِمِ المَحْجُوبَةِ رُتَبَاً وَمَرَاتِبَ لَا يَعْلَمُ كُنْهَهَا إِلَّا هُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ التَّوْحِيدِ وَالرَّحْمَةِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ المَيَامِينِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّوَرُّطَ فِي أُمُورِ التَّشْخِيصِ الرُّوحَانِيِّ العَشْوَائِيِّ هُوَ دَاءٌ عُضَالٌ يُصِيبُ كَثِيرَاً مِمَّنْ يَتَصَدَّرُونَ لِلْعِلَاجِ فِي هَذَا الزَّمَانِ دُونَ بَصِيرَةٍ نَاصِعَةٍ. وَإِنَّ العَجْزَ عَنْ تَمْيِيزِ الفَارِقِ النَّقِيِّ بَيْنَ طَاقَةِ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ وَبَيْنَ طَبِيعَةِ المَارِدِ العَنِيدِ هُوَ جِسْرٌ يَعْبُرُ عَلَيْهِ العَارِضُ لِيُحْكِمَ قَبْضَتَهُ عَلَى البَدَنِ. لِذَلِكَ، كَانَ لِزَامَاً عَلَى كُلِّ طَالِبٍ يَنْتَمِي إِلَى مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَوَازِينِ الفَرْقِ الطَّاقِيِّ بَيْنَهُمَا فَهْمَاً وَفِرَاسَةً. وَكَمَا هُوَ شَرْطُنَا الصَّارِمُ، فَهَذَا العِلْمُ حِرْزٌ لَا يُنَالُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ مِنْ صُدُورِ العَارِفِينَ الثِّقَاتِ.
التَّحْلِيلُ الطَّاقِيُّ لِكِيَانِ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ
إِنَّ دِرَاسَةَ جَوْهَرِ العِفْرِيتِ السُّفْلِيِّ تَكْشِفُ أَنَّهُ كَائِنٌ يَتَغَذَّى عَلَى عُنْصُرِ النَّارِ الحَامِيَةِ المَمْزُوجَةِ بِطَبَائِعِ الهَوَاءِ السَّرِيعِ. هَذِهِ التَّرْكِيبَةُ تَجْعَلُ جَسَدَهُ الطَّاقِيَّ خَفِيفَاً جِدَّاً وَرَشِيقَاً، بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ دَاخِلَ بَدَنِ المَسْحُورِ. تَتَمَيَّزُ طَاقَةُ العِفْرِيتِ بِالاضْطِرَابِ وَالنَّبْضِ السَّرِيعِ، فَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى المُرَاوَغَةِ وَالِاخْتِفَاءِ الفُجَائِيِّ إِذَا شَعَرَ بِخَطَرِ القِرَاءَةِ أَوْ التَّحْصِينِ. نُفُوذُهُ يَسْرِي فِي مَجَارِي الدَّمِ كَشَرَارَاتٍ كَهْرُبَائِيَّةٍ، وَيَسْتَهْدِفُ مَرَاكِزَ الإِحْسَاسِ لِيَثِيرَ فِيهَا صَرَعَاً طَاقِيَّاً مُؤَقَّتَاً أَوْ نَبْضَاً مُتَحَرِّكَاً يَجْعَلُ المَرِيضَ يَظُنُّ أَنَّ ثَمَّةَ كَائِنَاً يَرْكُضُ تَحْتَ جِلْدِهِ. العِفْرِيتُ هُوَ مَكْرٌ مُجَسَّدٌ، وَقُوَّتُهُ لَا تَنْبَعُ مِنْ صَلَابَتِهِ، بَلْ مِنْ سُرْعَتِهِ الخَارِقَةِ فِي التَّبَدُّلِ وَالتَّشَكُّلِ الحَيِّ.
الخَصَائِصُ الحَتْمِيَّةُ لِطَبِيعَةِ المَارِدِ العَاتِي
عَلَى النَّقِيضِ التَّامِّ، فَإِنَّ المَارِدَ السُّفْلِيَّ يُمَثِّلُ الثِّقَلَ الرَّاسِخَ وَالكِبْرِيَاءَ العَنِيدَ فِي المَمَالِكِ الخَفِيَّةِ. يَعْتَمِدُ المَارِدُ فِي بِنائِهِ الطَّاقِيِّ عَلَى عُنْصُرِ التُّرَابِ الثَّقِيلِ المَمْزُوجِ بِبُرُودَةِ المَقَابِرِ وَأَغْوَارِ الأَرْضِ السَّحِيقَةِ. المَارِدُ لَا يَعْرِفُ المُرَاوَغَةَ السَّرِيعَةَ الَّتِي يَفْعَلُهَا العِفْرِيتُ، بَلْ إِذَا دَخَلَ جَسَدَاً، اسْتَقَرَّ فِيهِ كَالمِسْمَارِ العَمِيقِ، وَأَحَاطَ نَفْسَهُ بِحُصُونٍ وَعُقَدٍ طَاقِيَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ تَمْتَصُّ حَرَارَةَ البَدَنِ وَتَتْرُكُهُ فِي خُمُولٍ شَبِيهٍ بِالمَوْتِ. المَارِدُ شَخْصِيَّةٌ اسْتِكْبَارِيَّةٌ قِيَادِيَّةٌ؛ هُوَ لَا يَتَحَرَّكُ لِلِاسْتِهْزَاءِ أَوْ الحَدِيثِ الكَثِيرِ، بَلْ يَصْمُتُ صَمْتَاً كَثِيفَاً دَاخِلَ البَدَنِ لِيُدِيرَ شَبَكَةً مِنْ خُدَّامِ الأَسْحَارِ دُونَ أَنْ يَكْشِفَ مَوْقِعَهُ الأَصْلِيَّ، مِمَّا يَجْعَلُ عِلَاجَهُ يَتَطَلَّبُ نَحْتَاً بَصِيرَاً وَصَبْرَاً طَوِيلاً لِدَكِّ حِصْنِهِ.
اخْتِلَافُ الأَثَرِ البَدَنِيِّ بَيْنَ العِفْرِيتِ وَالمَارِدِ
إِنَّ فِرَاسَةَ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةَ الَّتِي هِيَ شِعَارُ مَدْرَسَتِنَا، تُعَلِّمُكَ أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَى لُغَةِ الجَسَدِ لِلْمَصَابِ. التَّأْثِيرُ البَدَنِيُّ لِلْعِفْرِيتِ يَظْهَرُ عَلَى شَكْلِ هَبَّاتٍ سَاخِنَةٍ وَمُفَاجِئَةٍ تَرْتَفِعُ فِي الدَّمِ، وَتَسَبُّبِ عَصَبِيَّةٍ عَمْيَاءَ يَنْطِقُ فِيهَا المَرِيضُ بِكَلَامٍ انْتِقَامِيٍّ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ دَقَائِقَ نَتِيجَةَ زَوَالِ الطَّاقَةِ النَّارِيَّةِ. أَمَّا المَارِدُ، فَتَأْثِيرُهُ البَدَنِيُّ بَارِدٌ وَمُزْمِنٌ؛ حَيْثُ يُسَبِّبُ آلَامَاً صَلْبَةً فِي أَسْفَلِ الظَّهْرِ، وَتَحَجُّرَاً فِي فَقَرَاتِ الرَّقَبَةِ، وَبُرُودَةً شَدِيدَةً فِي أَقْدَامِ المَرِيضِ تَجْعَلُهُ يَعْجَزُ عَنْ المَشْيِ الطَّوِيلِ، مَعَ شُعُورٍ دَائِمٍ بِأَنَّ جَسَدَهُ مَكْبُولٌ بِسَلَاسِلَ خَفِيَّةٍ تَسْلَبُ مِنْهُ الطَّاقَةَ وَالحَيَوِيَّةَ طَوَالَ اليَوْمِ.
الفَارِقُ فِي الأَعْرَاضِ المَنَامِيَّةِ وَالكَوَابِيسِ
حَتَّى فِي مَقَامِ النَّوْمِ، تَنْعَكِسُ طَبِيعَةُ كُلِّ رُتْبَةٍ عَلَى شَاشَةِ الرُّؤَى لِلْمَصَابِ. الحَالَةُ الَّتِي يُهَاجِمُهَا عِفْرِيتٌ سُفْلِيٌّ تَرَى فِي مَنَامِهَا حَرَكَةً سَرِيعَةً وَاخْتِفَاءً؛ مِثْلَ رُؤْيَةِ الطَّيَرَانِ السَّرِيعِ فَوْقَ المَنَازِلِ، أَوْ الفِرَارِ المَرْعُوبِ مِنْ وُجُوهٍ تَتَبَدَّلُ أَشْكَالُهَا فُجَاءَةً، أَوْ رُؤْيَةِ نِيرَانٍ تَشْتَعِلُ فِي الغُرَفِ دُونَ دُخَانٍ. أَمَّا الحَالَةُ الَّتِي يَسْكُنُ بَدَنَهَا مَارِدٌ عَنِيدٌ، فَإِنَّ كَوَابِيسَهَا تَكُونُ مَمْلُوءَةً بِالثِّقَلِ وَالهَيْبَةِ المُفْزِعَةِ؛ مِثْلَ رُؤْيَةِ عَمَالِقَةٍ سُودٍ يَجْلِسُونَ فَوْقَ صَدْرِ المَرِيضِ يَمْنَعُونَهُ مِنْ النُّطْقِ أَوْ التَّنَفُّسِ (وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ العَامَّةُ بِالجَاثُومِ)، أَوْ رُؤْيَةِ المَشْيِ الشَّاقِّ وَسْطَ مَقَابِرَ مَهْجُورَةٍ، أَوْ السּُقُوطِ الأَبَدِيِّ دَاخِلَ بِئْرٍ عَمِيقَةٍ لَا قَاعَ لَهَا.
التَّكْتِيكُ العِلَاجِيُّ المَوْزُونُ لِدَحْرِ الكِيَانَيْنِ
إِنَّ صَرَامَةَ العِلَاجِ تَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً مُوَجَّهَاً. فَالطَّاقَةُ النَّارِيَّةُ لِلْعِفْرِيتِ لَا تُحَارَبُ بِالعَنَفِ اللَّفْظِيِّ، بَلْ تُحَاصَرُ بِآيَاتِ التَّقْيِيدِ وَالحَبْسِ لِقَطْعِ خِفَّتِهِ، مِثْلَ قِرَاءَةِ سُورَةِ يس بِنِيَّةِ الحِصَارِ، وَرَفْعِ طَاقَةِ الطَّهَارَةِ بِالمَاءِ البَارِدِ المُرَقَّى الَّذِي يُطْفِئُ سُرْعَتَهُ النَّارِيَّةَ فَيَجِدُ نَفْسَهُ مَسْجُوناً صَاغِراً. أَمَّا المَارِدُ التُّرَابِيُّ الثَّقِيلُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى صَدْمَةٍ نُورَانِيَّةٍ تَدُكُّ كِبْرَهُ وَتُفَتِّتُ حُصُونَهُ العَمِيقَةَ؛ وَذَلِكَ بِاسْتِخْدَامِ آيَاتِ التَّدْمِيرِ وَالفَكِّ القَاطِعَةِ، وَقِرَاءَةِ السُّورِ المَاحِقَةِ كَسُورَةِ الصَّافَّاتِ وَسُورَةِ قَافْ بِنَفَسٍ طَوِيلٍ وَثَبَاتٍ نَفْسِيٍّ صَارِمٍ، حَتَّى تَتَزَلْزَلَ عُقَدُهُ الدَّفِينَةُ وَيَذُوبَ كِبْرُهُ فَيَخْرُجَ هَالِكَاً بِحَقِّ المَلِكِ القَهَّارِ.
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ وَانْقِشَاعُ ظُلُمَاتِ السُّفْلِيِّ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الثَّامِنَ العِمْلَاقَ بِتَرْسِيخِ حَقِيقَةٍ نُورَانِيَّةٍ أَزَلِيَّةٍ فِي نُفُوسِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ. مَهْمَا بَلَغَ تَفَاوُتُ الطَّاقَةِ بَيْنَ مَكْرِ العِفْرِيتِ الحَارِقِ وَبَيْنَ عِظَمِ المَارِدِ الثَّقِيلِ، وَمَهْمَا بَنَوْا مِنَ الحُصُونِ العَمِيقَةِ دَاخِلَ الأَبْدَانِ لِتَعْطِيلِ الأَحْوَالِ، فَإِنَّ كِيَانَهُمْ يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الَّذِي يَمُدُّهُمْ بِالبَقَاءِ، فَإِذَا امْتَلَأَ قَلْبُكَ بِاليَقِينِ وَالنُّورِ صَارُوا صَاغِرِينَ دَاخِرِينَ. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الدَّقِيقِ فِي مَقَامَاتِكَ، لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَامَاً فِي الأَرْضِ، وَتَسْتَقِرَّ فِيكَ أَنْوَارُ الحِفْظِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment