دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ الْفِقْهِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِلْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْوَعْيِ النَّبَوِيِّ
الْمَقَالَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ: الْهَوَى النَّفْسِيُّ وَقَيْدُ الْإِخْلَادِ: الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِتَحْرِيرِ الْعَقْلِ الْبَاطِنِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالشَّهَوَاتِ الْمَادِّيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِلْعُرُوجِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ جُعِلَ فِطَامُ النَّفْسِ عَنِ الْهَوَى مَدْخَلَهُ لِلتَّمْكِينِ، وَقَطْعُ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْعَاجِلَةِ سَبِيلَ أَهْلِ الْيَقِينِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الرَّافِعِ لِرَايَاتِ التَّجْرِيدِ لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْعُرُوجِ وَالصَّفَاءِ، صَلَاةً تَنْسِفُ ثِقْلَ الطِّينِ وَتُحَرِّرُ عُقُولَ السَّالِكِينَ مِنَ الِانْقِبَاضِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ اِسْتِغْرَاقَ الْعَقْلِ الْبَاطِنِ فِي كَثَافَةِ الشَّهَوَاتِ الْمَادِّيَّةِ يَصْنَعُ حِصْناً تُرَابِيًّا يَحْجِبُ نَفَاذَ الْأَنْوَارِ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ الْهَوَى النَّفْسِيِّ وَقَيْدِ الْإِخْلَادِ فِي مَدْرَسَتِنَا “مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ” عَلَى تَوْظِيفِ “خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِلشَّيْخِ أَبِي إِلْيَاسَ” فِي بَسْطِ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّارِمَةِ لِتَحْرِيرِ وعْيِ طَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ التَّعَلُّقَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِلْعُرُوجِ الرُّوحَانِيِّ وَالِاسْتِقْبَالِ الْأَثِيرِيِّ النَّقِيِّ.
أَوَّلاً: التَّشْرِيحُ الْبَاطِنِيُّ لِقَيْدِ الْإِخْلَادِ وَأَثَرِهِ فِي تَكَلُّسِ النَّاصِيَةِ
تُفِيدُ الْأُصُولُ الْأَكْادِيمِيَّةُ لِمَدْرَسَتِنَا أَنَّ تَعَلُّقَ الْعَقْلِ الْبَاطِنِ بِالْمَلَذَّاتِ الْمَادِّيَّةِ الْفَانِيَةِ يَصْنَعُ حَقْلاً مِغْنَاطِيسِيًّا سَالِباً يَلْتَفُّ حَوْلَ غِلَافِ الْهَالَةِ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِـ**”الْإِخْلَادِ إِلَى الْأَرْضِ”**.
هَذَا الِاحْتِبَاسُ التُّرَابِيُّ يُحْدِثُ تَبَاطُؤاً حَادّاً فِي حَرَكَةِ السَّائِلِ الدِّمَاغِيِّ الشَّوْكِيِّ نَحْوَ أَعْلَى الْمُخِّ؛ فَتَسْتَغِلُّ شَيَاطِينُ الْقَبْضِ وَقَرِينُ الرُّكُودِ هَذِهِ الْكَثَافَةَ النَّفْسِيَّةَ لِيَضَعُوا أَقْفَالَهُمُ الْكِلْسِيَّةَ فَوْقَ خَلَايَا الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ، فَيُصَابُ الطَّالِبُ بِالْبَلَادَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَتَجَمُّدِ مَرَاكِزِ الْبَصِيرَةِ، فَيَعْجِزُ وعْيُهُ تَمَاماً عَنْ تَرْجَمَةِ ذَبْذَبَاتِ الْإِلْهَامِ الصَّادِقِ.
ثَانِيًا: الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِتَحْرِيرِ الْعَقْلِ الْبَاطِنِ مِنَ الْهَوَى
لَا يَنْفَكُّ قَيْدُ الْإِخْلَادِ التُّرَابِيِّ عَنِ النَّاصِيَةِ بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِإِجْرَاءِ “فِطَامٍ تَرَدُّدِيٍّ صَارِمٍ لِلْحَوَاسِ” عَنِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ. وَقَدْ أَقَرَّ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ ثَلَاثَةَ دَسَاتِيرَ شَرْعِيَّةٍ لِقَطْعِ حِبَالِ التَّعَلُّقِ الشَّيْطَانِيِّ:
ضَبْطُ مَنَافِذِ الْبَدَنِ عَبْرَ الصِّيَامِ الشَّرْعِيِّ الْمُتَتَابِعِ لِتَجْفِيفِ مَجَارِي الْأَخْلَاطِ الصَّاعِدَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ وَالَّتِي تَتَغَذَّى عَلَيْهَا أَرْصَادُ الْقَبْضِ.
قَطْعُ الِالْتِفَاتِ النَّفْسِيِّ عَنِ التَّطَلُّعِ لِلْمَظَاهِرِ الْمَادِّيَّةِ الْفَانِيَةِ، مَعَ شَحْنِ الصَّدْرِ بِآيَاتِ الرَّفْعِ الْكَوْنِيِّ السَّبْعَةِ عِنْدَ السَّحَرِ لِصُنْعِ قُوَّةٍ طَارِدَةٍ لِلْجَاذِبِيَّةِ الْأَرْضِيَّةِ.
تِرْدَادُ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الْمَأْثُورِ: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) سَبْعِينَ مَرَّةً فَوْقَ مَاءِ عُيُونٍ نَقِيٍّ وَشُرْبِهِ عَلَى الرِّيقِ لِإِعَادَةِ لِحَامِ النَّسِيجِ الْأَثِيرِيِّ لِلْهَالَةِ.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِتَحَرُّرِ الْوعْيِ مِنَ الْقَيْدِ التُّرَابِيِّ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ السَّالِكَ مِنْ تَقْيِيمِ اِنْعِتَاقِ دِمَاغِهِ الشَّرِيفِ عَنْ سُلْطَانِ الْهَوَى:
شُعُورُ الطَّالِبِ بِخِفَّةٍ حَادَّةٍ وَاِنْشِرَاحٍ صَدْرِيٍّ عَمِيقٍ يَصْحَبُهُ هُبُوطُ بُرُودَةٍ ثَلْجِيَّةٍ نَقِيَّةٍ فَوْقَ النَّاصِيَةِ أَثْنَاءَ قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَا تَثَاقُلٍ.
انْقِشَاعُ ظَلَامِ الْأَفْكَارِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْمُتَدَاخِلَةِ، وَحُلُولُ صَفَاءٍ ذِهْنِيٍّ مُطْلَقٍ يَفْتَحُ بَوَّابَاتِ الْفَهْمِ اللَّدُنِّيِّ لِأَسْرَارِ دُرُوسِ مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ.
رُؤْيَةُ مَنَامَاتٍ نَاصِعَةٍ يَعْرُجُ فِيهَا السَّالِكُ نَحْوَ سَمَاوَاتٍ مَفْتُوعَةٍ، أَوْ يَطِيرُ بِخِفَّةٍ فَوْقَ صُخُورٍ صَمَّاءَ، وَهُوَ دَلِيلٌ بَاطِنِيٌّ عَلَى اِنْفِسَاخِ قَيْدِ الْإِخْلَادِ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: تُحَذِّرُ مَدْرَسَةُ سِرِّ الْبَصِيرَةِ مِنْ طَلَبِ الْكَشْفِ الصَّادِقِ لِمَنْ يَجْعَلُ هَوَاهُ مَعْقُوداً بِحُبِّ الرِّئَاسَةِ أَوْ الْجَاهِ الْمَادِّيِّ، لِأَنَّ هَذَا التَّلَوُّثَ الْبَاطِنِيَّ يُحْدِثُ اِرْتِدَاداً عَكْسِيّاً عَنِيفاً يُمَكِّنُ الْعَارِضَ مِنْ صُنْعِ “تَلْبِيسٍ بَصَرِيٍّ كَاذِبٍ” يُدَمِّرُ وعْيَ السَّالِكِ، وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي رَسَّخَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ يَقْتَضِي تَجْرِيدَ الِافْتِقَارِ التَّامِّ لِلَّهِ مَعَ نَفْثِ آيَاتِ الطَّهَارَةِ فَوْقَ الْجَبْهَةِ لِإِذَابَةِ كُتَلِ الرُّكُودِ، فَتَنْفَسِخُ أَقْفَالُ الْحَجْبِ كُلِّيًّا، وَتَشِعُّ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْمَنِيعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَا يُضَامُ أَبَداً بِالْحَقِّ الْمُبِينِ.
Leave A Comment