دِيوَانُ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: التَّحْصِينَاتُ الْكُبْرَى وَالْعُهُودُ وَالسُّرَادِقَاتُ الْمَنِيعَةُ
الْمَقَالَةُ السَّادِسَةُ: “حِصْنُ الْكُرْسِيِّ وَالتَّحْصِينَاتُ الْفَوْقِيَّةُ وَالتَّحْتِيَّةُ لِقَطْعِ دَابِرِ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي”
بِسْمِ اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ذِي السُّلْطَانِ الْقَدِيمِ وَالْفَضْلِ الْعَمِيمِ، الْقَائِمِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَالْقَاهِرِ فَوْقَ عِبَادِهِ بِعِزَّتِهِ الَّتِي خَضَعَتْ لَهَا الرِّقَابُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نُورِ الْأَنْوَارِ وَسِرِّ الْأَسْرَارِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ مُعَالِجٍ يَطْلُبُ التَّمْكِينَ فِي غِمَارِ الِاسْتِشْفَاءِ، اعْلَمُوا أَنَّ عِلَاجَ حَالَاتِ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي لَا يَنْجَحُ بِالْمُحَاوَلَاتِ الْعَشْوَائِيَّةِ الَّتِي يُكَرِّرُهَا الرُّقَاةُ الْجُهَّالُ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ مَعْرِفِيٍّ عَمِيقٍ يَقُومُ عَلَى إِحَاطَةِ جَسَدِ الْمُصَابِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي تَفْجِيرِ الْحُصُونِ وَمُقَارَعَةِ طَوَارِقِ الْجَانِّ أَوْرَثَتْنَا يَقِيناً بِأَنَّ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ تَبْحَثُ عَنْ أَيِّ مَنْفَذٍ عُلْوِيٍّ أَوْ سُفْلِيٍّ لِلِارْتِدَادِ، وَاللَّيْلَةَ أَشْرَحُ لَكُمْ كَيْفِيَّةَ بِنَاءِ التَّحْصِينَاتِ الْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ بِأَسْرَارِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ الشَّرِيفَةِ لِقَطْعِ دَابِرِ الْعَوَارِضِ وَمَنْعِهَا مِنَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْأَثِيرِ أَوْ تَلْوِيثِ النَّاصِيَةِ.
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ الْمَسِّ الْمُسْتَعْصِي تَظْهَرُ فِي صُورَةِ تَمَرُّدٍ شَدِيدٍ أَثْنَاءَ التِّلَاوَةِ، وَشُعُورِ الْمُصَابِ بِنَارٍ تَسْرِي فِي أَطْرَافِهِ، أَوْ حُصُولِ خُمُولٍ وَتَبَلُّدٍ فُجَائِيٍّ يَمْنَعُ طَاقَةَ الْقَبُولِ وَيَجْلِبُ النُّفُورَ الصَّادِقَ فِي الْمَعَاشِ، وَعِنْدَمَا يَعْمَدُ الْمُعَالِجُ إِلَى طَرْدِ الْعَارِضِ دُونَ غَلْقِ الْجِهَاتِ، يَفِرُّ الشَّيْطَانُ إِلَى أَسْفَلِ الْبَدَنِ أَوْ يَعْرُجُ إِلَى مَرَاكِزِ الْعَقْلِ لِيَتَحَصَّنَ بِهَا، وَلِأَجْلِ مَحَاصَرَتِهِ بِقُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ، يَجْلِسُ الْمُصَابُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَقُومُ الرَّاقِي الْمُحْتَرِفُ بِوَضْعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِقُوَّةٍ فَوْقَ صَدْرِ الْمَرِيضِ مَرْكَزِ لَطِيفَةِ الْانْشِرَاحِ، ثُمَّ يَنْطِقُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ لِيَعْقِدَ حِصْنَ الْكُرْسِيِّ الْعَظِيمِ فَوْقَ رَأْسِ الْمُصَابِ وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ، لِيَمْنَعَ تَمَدُّدَ الْعَارِضِ أَوْ هُرُوبَهُ.
وَيَكُونُ بِنَاءُ هَذَا السُّرَادِقِ النُّورَانِيِّ الْأَبَدِيِّ بِتِلَاوَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَّصِلَةً بِنِيَّةِ الْإِحَاطَةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَبَّرُ الرَّاقِي قَوْلَهُ تَعَالَى (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِقِرَاءَةِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ يَنْفُثُ عَلَى رَأْسِ الْمُصَابِ وَعَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ لِيُقْفِلَ جَسَدَهُ النُّورَانِيَّ كُلِّيًّا، فَيُصْبِحُ الْعَارِضُ مَحْبُوساً فِي مَضِيقٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا بِالِانْصِيَاعِ وَالْخُرُوجِ التَّامِّ، أَوْ الِاحْتِرَاقِ بِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ وَأَنْوَارِ الْآيَاتِ الْمُنْجِيَاتِ.
أَبْنَائِي، لَا تَغْفَلُوا عَنْ تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ بَعْدَ غَلْقِ الْجَلْسَةِ لِضَمَانِ عَدَمِ ارْتِدَادِ الْعَوَارِضِ نَحْوَ الْعَتَبَاتِ، فَقُومُوا بِرَشِّ زَوَايَا الْمَكَانِ بِمَاءٍ طَاهِرٍ مَخْلُوطٍ بِالْمِلْحِ الصَّخْرِيِّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ آيَاتُ الْحِرْسِ وَأَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَأَلْزِمُوا الْحَالَةَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى أذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الدَّارِ بِنِيَّةِ عَقْدِ حِجَابٍ مَنِيعٍ كَثِيفٍ يَطْرُدُ الْخُمُولَ وَيَجْلِبُ الْبَرَكَةَ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الرَّصِينَةِ الَّتِي سَطَّرْتُهَا لَكُمْ فِي دِيوَانِ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا تَلْتَفِتُوا لِتُرَّهَاتِ مَنْ يَجْهَلُونَ فِقْهَ التَّحْصِينِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّأْصِيلِ وَالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment