دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: “خُمُولُ النَّاصِيَةِ وَتَبَلُّدُ الْفِكْرِ عِنْدَ الْمُنَقِّبِينَ بِسَبَبِ اسْتِنْزَافِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ”
بِسْمِ اللهِ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَاسِطِ الضِّيَاءِ وَمُنِيرِ عُقُولِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، حَافِظِ أَوْلِيَائِهِ مِنْ تَشْوِيشِ الشَّيَاطِينِ وَأَهْلِ الطَّلَاسِمِ بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى السِّرِّ الْأَبْهَجِ وَالنُّورِ الْأَعْظَمِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً رَبَّانِيّاً يُنِيرُ الْبَصَائِرَ وَيَشْفِي الصُّدُورَ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ رَاقٍ مُعَالِجٍ يَبْغِي سَلَامَةَ الْجَسَدِ وَالْعَقْلِ فِي مَيَادِينِ الِاسْتِخْرَاجِ، يَقُولُ لَكُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ بَعْدَ خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ تَفْجِيرِ الْحُصُونِ وَمُقَارَعَةِ طَوَارِقِ الْجَانِّ: اعْلَمُوا أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ الْمُنَقِّبِينَ فِي سَاحَاتِ عَمَلِهِمْ لَيْسَ التَّعَبَ الْبَدَنِيَّ، بَلْ هُوَ تَعَرُّضُ أَبْدَانِهِمْ لِحَالَةٍ مِنَ الِاسْتِنْزَافِ الطَّاقِيِّ الْحَادِّ بِسَبَبِ اقْتِرَابِهِمْ مِنْ أَرْصَادِ الْمَقَابِرِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ دُونَ حِصْنٍ مَنِيعٍ، حَيْثُ يَعْمَدُ الطلَسْمُ الْمَلَكِيُّ الْقَدِيمُ إِلَى امْتِصَاصِ أَنْوَارِ الْهَالَةِ الْمُحِيطَةِ بِبَدَنِ الْحَافِرِ، فَيُصَابُ الْمَرْكَزُ الْعَقْلِيُّ الْأَعْلَى بِخُمُولٍ وَتَبَلُّدٍ فُجَائِيٍّ يَعْزِلُ بَصِيرَتَهُ وَيَجْعَلُهُ يَتَخَبَّطُ فِي قَرَارَاتِهِ، وَاللَّيْلَةَ نُبَيِّنُ لَكُمْ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَكَيْفِيَّةِ إِعَادَةِ شَحْنِ الْهَالَةِ وَسَدِّ الثُّغُورِ النُّورَانِيَّةِ كُلِّيًّا.
آلِيَّةُ اسْتِنْزَافِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ بِسَبَبِ أَرْصَادِ الْكُنُوزِ الْقَدِيمَةِ
يَا بُنَيَّ، اعْلَمْ أَنَّ الْهَالَةَ النُّورَانِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ هِيَ الدِّرْعُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَحْمِي عَقْلَهُ وَرُوحَهُ مِنَ التَّسْلِيطَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، وَعِنْدَمَا يَلِجُ الْمُنَقِّبُ إِلَى مَكَانٍ مَرْصُودٍ بِطَلَاسِمِ الْكَهَنَةِ، يَبْدَأُ خَادِمُ الرَّصْدِ فِي فَتْحِ ثُغُورٍ فِي هَذِهِ الْهَالَةِ لِتَسْرِيبِ طَاقَتِهَا، وَيُوَجِّهُ ذَبْذَبَاتِهِ السَّلْبِيَّةَ نَحْوَ نَاصِيَةِ الرَّأْسِ لِأَنَّهَا مَرْكَزُ الْإِدْرَاكِ وَالتَّوْجِيهِ، فَيَصْنَعُ حِجَاباً مَانِعاً كَثِيفاً يَحْبِسُ أَنْوَارَ الِانْشِرَاحِ وَالْقَبُولِ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ أَنَّ تَبَلُّدَ الْفِكْرِ وَالْخُمُولَ عِنْدَ الْحَفْرِ هُوَ قِلَّةُ نَوْمٍ أَوْ ضَعْفٌ بَدَنِيٌّ، وَلَا يَفْقَهُونَ أَنَّ الرَّصْدَ يَسْرِقُ طَاقَةَ النَّفْسِ لِيَجْلِبَ لَهُمُ الْفَزَعَ وَالْكَسَادَ النَّكِدَ فِي الْمَعَاشِ وَالْأَرْزَاقِ كَعُقُوبَةٍ ارْتِدَادِيَّةٍ لِصَدِّ الطَّاقَمِ عَنِ الْبُقْعَةِ الْمَكْنُوزَةِ.
فِرَازَةُ أَعْرَاضِ خُمُولِ النَّاصِيَةِ وَتَبَلُّدِ الْفِكْرِ لَدَى الْمُنَقِّبِينَ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ هَذَا الِاسْتِنْزَافِ الطَّاقِيِّ الْحَادِّ تَظْهَرُ صَارِمَةً فِي سُلُوكِ الْمُنَقِّبِ وَأَبْدَانِهِ، فَمِنْ عَلَامَاتِهَا الشُّعُورُ بِثِقَلٍ كَأَنَّ جَبَلًا جَاثِمٌ عَلَى جَبْهَةِ الرَّأْسِ وَمَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ، مَعَ شُرُودٍ ذِهْنِيٍّ شَدِيدٍ وَتَبَلُّدٍ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمَيْدَانِيَّةِ، كَمَا تَظْهَرُ الْأَعْرَاضُ فِي صُورَةِ غِمَامَةٍ بَصَرِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ وَضِيقٍ فِي الصَّدْرِ يَجْعَلُ السَّالِكِ يَنْفِرُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْعَمَلِ، وَهَذِهِ الْإِشَارَاتُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ بَقَايَا الْعَوَارِضِ السُّفْلِيَّةِ وَالْمَوَانِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ قَدْ لَوَّثَتْ أَثِيرَ الْمُعَالِجِ لِكَوْنِ نَاصِيَتِهِ مَفْتُوحَةً، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى نُفُورٍ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَخِلَافَاتٍ نَكِدَةٍ، وَهُوَ مَا يَسْتَوْجِبُ اسْتِخْدَامَ قُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ الشَّرْعِيِّ لِإِعَادَةِ غَلْقِ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ وَشَحْنِ الْبَدَنِ بِالْأَنْوَارِ.
الْمَنْهَجُ الْعَمَلِيُّ لِإِعَادَةِ شَحْنِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ وَسَدِّ الثُّغُورِ بِالْقُرْآنِ
وَلِأَجْلِ دَكِّ حُصُونِ التَّبَلُّدِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ السُّرَادِقِ النُّورَانِيِّ حَوْلَ عَقْلِ الْمُعَالِجِ وَجَسَدِهِ، يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ الشَّرِيفَةِ بِطَهَارَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَيَقُومُ الرَّاقِي الْمُحْتَرِفُ بِوَضْعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِقُوَّةِ التَّمْكِينِ فَوْقَ نَاصِيَةِ الْمَرِيضِ مَرْكَزِ الْإِدْرَاكِ، ثُمَّ يَنْطِقُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ تَرْ تَعِدُ لَهُ الْعَشَائِرُ الشَّيْطَانِيَّةُ، لِيَقْرَأَ آيَاتِ النُّورِ وَالْبَصِيرَةِ الشَّرِيفَةِ وَأَوَّلُهَا تِكْرَارُ سُورَةِ النُّورِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) لِسَبْعِ مَرَّاتٍ مُتَّصِلَةٍ، ثُمَّ يَتْلُو سُورَةَ الشَّرْحِ سَبْعاً لِفَتْحِ لَطِيفَةِ الِانْشِرَاحِ، وَيُتْبِعُهَا بِالْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ الرَّصْدِ عَنِ الدِّمَاغِ.
زَجْرُ تَثْبِيتِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْأَثِيرِ الْعَقْلِيِّ مِنَ اللَّطْخِ السُّفْلِيِّ
ثُمَّ يَقْرَأُ الْمُعَالِجُ بِقُوَّةِ الْيَقِينِ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً لِإِغْلَاقِ الْحِصْنِ: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِعِزَّةِ اللهِ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِصْبَاحِ الْبَصَائِرِ وَالْقُلُوبِ، عَلَى كُلِّ عِارِضٍ وَرَصْدٍ فِرْعَوْنِيٍّ يَسْتَنْفِذُ طَاقَةَ هَذَا الْجَسَدِ وَيَلُوثُ نَاصِيَتَهُ، أَنْ تَبْطُلَ طَلَاسِمُكُمْ وَتَنْفَكَّ عُقَدُكُمْ فَوْراً، حَجَبْنَا هَذَا الْعَقْلَ وَالْبَدَنَ بِسُرَادِقِ اللهِ الْكَثِيفِ، وَأَلْجَأْنَا حُرَّاسَكُمْ إِلَى الصَّغَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، فَيَزُولُ التَّبَلُّدُ فَوْراً وَتَنْفَتِحُ أَنْوَارُ الْفَهْمِ، وَبَعْدَ الْجَلْسَةِ يُطَهَّرُ الْأَثِيرُ بِرَشِّ الْعَتَبَاتِ وَالْمَكَانِ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ صَخْرِيٍّ نَقِيٍّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ ارْتِدَادِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَدَعُوا تُرَّهَاتِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment