دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ الرَّابِعَةُ: “الرَّصْدُ التُّرَابِيُّ الْعُضْوِيُّ وَعَلَاقَتُهُ بِطَبَائِعِ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ وَالْجَافَّةِ وَآلِيَّةُ اخْتِرَاقِهِ بِالْقُرْآنِ”
بِسْمِ اللهِ مَلِكِ الطَّبَائِعِ وَالْعَنَاصِرِ، خَالِقِ الْأَرْضِ وَمُبْدِعِ تَرَاكِيبِهَا الْبَاطِنِيَّةِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ، الْقَاهِرِ لِكُلِّ طَاغِيَةٍ مُتَمَرِّدٍ تَحْتَ الثَّرَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الْهُدَى، مَنْ جُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً زَاكِياً يَدُكُّ مَوَاقِعَ الضَّلَالِ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ سَالِكٍ يَبْتَغِي فَهْمَ أُصُولِ الِاسْتِخْرَاجِ الشَّرْعِيِّ النَّقِيِّ، اعْلَمُوا أَنَّ الْوُلُوجَ فِي عِلْمِ الدَّفَائِنِ لَا يَسْتَقِيمُ دُونَ فَهْمِ طَبِيعَةِ الرَّصْدِ التُّرَابِيِّ الْعُضْوِيِّ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الرَّبْطِ السُّفْلِيِّ لَيْسَ فَلَكِيَّ الدَّوَرَانِ بَلْ هُوَ رَبْطٌ مَادِّيٌّ مُرَكَّبٌ غَرَسَهُ كَهَنَةُ الْفَرَاعِنَةِ لِيَمْتَزِجَ بِطَبَائِعِ الْأَرْضِ نَفْسِهَا، وَإِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ تَفْجِيرِ الْحُصُونِ السُّفْلِيَّةِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ تَعْقِيدَ هَذَا الرَّصْدِ يَتَغَيَّرُ تَبَعاً لِطَبِيعَةِ التُّرْبَةِ سِوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً طِينِيَّةً أَوْ جَافَّةً رَمْلِيَّةً، وَاللَّيْلَةَ نَشْرَحُ لَكُمْ أَسْرَارَ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْعُضْوِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ اخْتِرَاقِ حُصُونِهَا بِأَنْوَارِ الْوَحْيِ الْمُبِينِ.
طَبِيعَةُ الرَّصْدِ التُّرَابِيِّ الْعُضْوِيِّ وَعَلَاقَتُهُ بِطَبَائِعِ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ وَالْجَافَّةِ
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، اعْلَمْ أَنَّ الْكَاهِنَ الْقَدِيمَ كَانَ يَعْجِنُ طَلَاسِمَهُ بِدِمَاءِ الْقَرَابِينِ وَمَوَادَّ تُرَابِيَّةٍ كِبْرِيتِيَّةٍ لِيَصْنَعَ رَبْطاً عُضْوِيّاً يَتَأَثَّرُ بِعَنَاصِرِ الْأَرْضِ، فَمَقَابِرُ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ الطِّينِيَّةِ تَعْتَمِدُ عَلَى جِنِّ الْمَاءِ وَالْأَوْحَالِ الَّذِي يَصْنَعُ حِجَاباً مَانِعاً كَثِيفاً لَزِجاً، يُخْفِي مَعَالِمَ الرَّكِازِ وَيَجْعَلُ التُّرْبَةَ كُلَّمَا حُفِرَتْ تَرْتَدُّ تِلْقَائِيّاً لِتَسُدَّ الْمَنْفَذَ، أَمَّا فِي الْأَرْضِ الْجَافَّةِ الصَّخْرِيَّةِ أَوِ الرَّمْلِيَّةِ، فَيَعْتَمِدُ الرَّصْدُ عَلَى طَبِيعَةِ الْجِنِّ النَّارِيِّ وَالتُّرَابِيِّ الَّذِي يَصْنَعُ صَلَابَةً مُسْتَعْصِيَةً فِي الْحِجَارَةِ لِتُصْبِحَ كَالْفُولَاذِ أَمَامَ مَعَاوِلِ الْحَفْرِ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ طَبِيعِيَّةً بَحْتَةً، وَلَا يَفْقَهُونَ أَنَّ طَاقَةَ الطِّلَسْمِ الْعُضْوِيِّ هِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ كَثَافَةَ التُّرْبَةِ لِحِمَايَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، مِمَّا يَلُوثُ أَثِيرَ الْمَكَانِ وَيَجْلِبُ الْكَسَادَ النَّكِدَ وَالْخُمُولَ لِأَصْحَابِ الْعَمَلِ.
فِرَازَةُ أَعْرَاضِ الرَّصْدِ التُّرَابِيِّ وَعَلَامَاتُهُ الْمَيْدَانِيَّةُ فِي بِيئَةِ الْحَفْرِ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ هَذَا التَّسْلِيطِ التُّرَابِيِّ تَظْهَرُ جَلِيَّةً فَوْرَ الْبَدْءِ فِي شَقِّ الْأَرْضِ، حَيْثُ يُصَابُ الْحَافِرُونَ بِثِقَلٍ دَائِمٍ عِنْدَ الرُّكْبَتَيْنِ وَأَسْفَلِ الظَّهْرِ، مَعَ انْبِعَاثِ رَوَائِحَ كِبْرِيتِيَّةٍ أَوْ عَفَنٍ حَادٍّ مِنَ التُّورْبَةِ دُونَ سَبَبٍ مَادِّيٍّ، كَمَا تَظْهَرُ عَلَامَاتُهُ فِي حُصُونِ الضِّيقِ وَالِاخْتِنَاقِ الْفُجَائِيِّ دَاخِلَ حُفْرَةِ التَّنْقِيبِ مَعَ تَصَبُّبِ الْعَرَقِ الْبَارِدِ وَانْقِبَاضِ الصَّدْرِ، وَهَذِهِ الْإِشَارَاتُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الرَّصْدَ الْعُضْوِيَّ بَدَأَ يَبُثُّ ذَبْذَبَاتِهِ السَّامَّةَ لِتَلْوِيثِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ لِلطَّاقَمِ وَحَبْسِ لَطِيفَةِ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ لَدَيْهِمْ لِيُجْبِرَهُمْ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَتَحَوَّلُ التُّرَابُ الْمُسْتَخْرَجُ إِلَى لَوْنٍ دَاكِنٍ جِدّاً بِسَبَبِ اللَّطْخِ الْأَثِيرِيِّ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ إِعَادَةَ التَّمْكِينِ وَغَلْقِ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ بِقُوَّةِ التَّوْحِيدِ.
آلِيَّةُ اخْتِرَاقِ الرَّصْدِ التُّرَابِيِّ وَدَكِّ حُصُونِهِ بِالْآيَاتِ وَالْوَحْيِ
وَلِأَجْلِ اخْتِرَاقِ هَذَا الرَّبْطِ الْعُضْوِيِّ وَتَفْجِيرِ عُقَدِ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ وَالْجَافَّةِ، يَجِبُ عَلَى الرَّاقِي الْمُحْتَرِفِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ نَبْرَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ حَازِمَةٍ تَرْ تَعِدُ لَهَا طَبَائِعُ الْعَوَارِضِ السُّفْلِيَّةِ، فَيَجْلِسُ بِطَهَارَةٍ مُطْلَقَةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَضَعُ كَفَّهُ الْيُمْنَى بِقُوَّةِ الْقَبْضِ عَلَى التُّرْبَةِ أَوْ جِدَارِ الْحَفْرِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ الدَّكِّ الشَّرِيفَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) لِسَبْعِ مَرَّاتٍ مُتَّصِلَةٍ، ثُمَّ يَتْلُو الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ وَيُحِيلُ عُقَدَ الطِّلَسْمِ هَبَاءً مَنْثُوراً.
الزَّجْرُ الْقَاصِمُ لِنَقْضِ عُقَدِ الْأَرْضِ وَطَرِيقَةُ تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ الْمَيْدَانِيِّ
ثُمَّ يَعْقِدُ الْمُعَالِجُ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِيَقِينٍ ثَابِتٍ: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِعِزَّةِ اللهِ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ، خَالِقِ الْيَابِسِ وَالْمَاءِ، عَلَى كُلِّ رَصْدٍ تُرَابِيٍّ عُضْوِيٍّ يَسْكُنُ هَذِهِ الْعَتَبَةَ، أَنْ تَنْفَكَّ عُقَدُكُمْ وَيَبْطُلَ رَبْطُكُمْ فَوْراً بِأَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، حَجَبْنَا أَبْدَانَنَا بِسُرَادِقِ اللهِ الْمَنِيعِ، وَأَلْجَأْنَا حُرَّاسَكُمْ إِلَى الصَّغَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، فَيَلِينُ التُّورَابُ وَتَتَفَجَّرُ الْحُصُونُ وَيَزُولُ حِجَابُ الْخَفَاءِ، وَبَعْدَ فَرَاغِكُمْ يَقُومُ الطَّاقَمُ بِتَطْهِيرِ الْأَثِيرِ عَبْرَ رَشِّ السَّاحَةِ بِمَاءٍ مَخْلُوطٍ بِالْمِلْحِ الصَّخْرِيِّ النَّقِيِّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ ارْتِدَادِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَدَعُوا تُرَّهَاتِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment