دِيوَانُ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: التَّحْصِينَاتُ الْكُبْرَى وَالْعُهُودُ وَالسُّرَادِقَاتُ الْمَنِيعَةُ
الْمَقَالَةُ التَّاسِعَةُ: “تَحْصِينُ الْأَطْفَالِ وَالْبُيُوتِ مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَتَوَابِعِ أُمِّ الصِّبْيَانِ بِآيَاتِ الْحِرْسِ وَالسَّكِينَةِ”
بِسْمِ اللهِ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، الْحَفِيظِ الْعَلِيمِ، بَاسِطِ سُرَادِقَاتِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ عَلَى الْأَنَامِ، وَمُبَدِّدِ ظُلُمَاتِ الْخَوْفِ وَالْأَوْجَاعِ بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نُورِ الْأَكْوَانِ وَمَعْدِنِ الْحِفْظِ وَالْإِيمَانِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً مُتَوَاصِلًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ رَاقٍ مُعَالِجٍ يَبْغِي الْحَقِيقَةَ الْعِلْمِيَّةَ فِي صِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ وَالْمَنَافِذِ، اعْلَمُوا أَنَّ تَحْصِينَ الذُّرِّيَّةِ الصِّغَارِ وَتَأْمِينَ الْعَتَبَاتِ مِنَ الطَّوَارِقِ النَّكِدَةِ هُوَ مِنْ أَوْجَبِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهَا الْمُعَالِجُ بِقُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ، لِأَنَّ أَجْسَادَ الْأَطْفَالِ لَطِيفَةٌ رَقِيقَةٌ وَهَالَتَهُمُ الْأَثِيرِيَّةَ لَمْ تَكْتَمِلْ دُرُوعُهَا بَعْدُ، مِمَّا يَجْعَلُهُمْ عُرْضَةً لِهَجَمَاتِ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَتَسْلِيطَاتِ أُمِّ الصِّبْيَانِ الَّتِي تَسْعَى لِبَثِّ الْفَزَعِ وَالْمَرَضِ، وَإِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ عِلَاجِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ وَتَفْجِيرِ حُصُونِهَا السُّفْلِيَّةِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ تَرْكَ الْبُيُوتِ دُونَ حِرْسٍ شَرْعِيٍّ دَائِمٍ هُوَ تَقْصِيرٌ يَعُودُ بِالْوَبَالِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالْمَعَاشِ.
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ تَسْلِيطِ أُمِّ الصِّبْيَانِ وَطَوَارِقِ اللَّيْلِ عَلَى الْأَطْفَالِ تَظْهَرُ جَلِيَّةً فِي صُورَةِ بُكَاءٍ مُسْتَمِرٍّ شَدِيدٍ دُونَ سَبَبٍ طِبِّيٍّ مَعْرُوفٍ، وَانْفِزَاعٍ فُجَائِيٍّ أَثْنَاءَ النَّوْمِ مَعَ صُرَاخٍ وَتَحْدِيقٍ بِالْأَعْيُنِ نَحْوَ زَوَايَا الْغُرْفَةِ، وَقَدْ يَصْحَبُ ذَلِكَ هُزَالٌ فِي الْبَدَنِ وَنُفُورٌ عَنِ الطَّعَامِ، أَمَّا فِي الْبَيْتِ فَتَظْهَرُ الْأَعْرَاضُ فِي ثِقَلٍ مُفَاجِئٍ يُحِيطُ بِالْعَتَبَةِ وَانْقِبَاضٍ يَمْنَعُ طَاقَةَ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ بَيْنَ الْأَهْلِ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ الْأَمْرَ مُجَرَّدَ فَهْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ مَغَصٍ مَعَوِيٍّ فَيُكَرِّرُونَ رُقًى مَحْدُودَةً دُونَ غَلْقِ الْمَنَافِذِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ أَنَّ تِلْكَ الْعَوَارِضَ تَصْنَعُ حِجَاباً مَانِعاً كَثِيفاً يَمْتَصُّ بَرَكَةَ الْمَكَانِ وَيَلُوثُ الْأَثِيرَ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ بِنَاءَ سُرَادِقٍ نُورَانِيٍّ مَنِيعٍ بِالْقُرْآنِ لِقَطْعِ دَابِرِ هَذِهِ التَّلَوُّثَاتِ السُّفْلِيَّةِ النَّكِدَةِ.
وَلِأَجْلِ إِقَامَةِ هَذَا الْحِصْنِ النُّورَانِيِّ الْأَبَدِيِّ لِلْأَطْفَالِ وَالدَّارِ، يَقُومُ الرَّاقِي الْمُحْتَرِفُ بِإِجْلَاسِ الصِّغَارِ وَأَهْلِهِمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَضَعُ كَفَّهُ الْيُمْنَى بِقُوَّةِ التَّمْكِينِ فَوْقَ نَاصِيَةِ الطِّفْلِ، وَيَنْطِقُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ تَرْ تَعِدُ لَهُ الْعَشَائِرُ الشَّيْطَانِيَّةُ، لِيَتْلُوَ آيَاتِ الْحِرْسِ الشَّرِيفَةِ وَأَوَّلُهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَّصِلَةٍ بِنِيَّةِ الْإِحَاطَةِ الشَّامِلَةِ، ثُمَّ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَدْحَرُ مَرَدَةَ الْجِنِّ، وَيُتْبِعُهَا بِآيَاتِ السَّكِينَةِ مِنْ سُوَرِ الْبَقَرَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالْفَتْحِ لِتَنْزِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ، ثُمَّ يَنْفُثُ عَلَى الصِّغَارِ وَيَعْقِدُ لَهُمْ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً: أُعِيذُكُمْ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ تَابِعَةٍ وَأُمِّ الصِّبْيَانِ، حَصَّنْتُ أَبْدَانَكُمْ وَعَتَبَاتِكُمْ بِالْمَلِكِ الدَّيَّانِ سُلْطَانِ التَّوْحِيدِ الْمَنِيعِ.
أَبْنَائِي، إِنَّ تَمَامَ الْحِفْظِ وَالْوِقَايَةِ يَسْتَلْزِمُ مِنْكُمْ خُطْوَةً عَمَلِيَّةً لِتَأْمِينِ الْبَيْتِ كُلِّيًّا مَعَ كُلِّ جَلْسَةٍ، فَتَعْمَدُونَ بَعْدَ فَرَاغِكُمْ إِلَى تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ عَبْرَ إِحْضَارِ مَاءٍ طَاهِرٍ مَخْلُوطٍ بِالْمِلْحِ الصَّخْرِيِّ النَّقِيِّ، وَتَقْرَؤُونَ عَلَيْهِ آيَاتِ الْحِرْسِ وَأَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، ثُمَّ تَرُشُّونَ بِهِ عَتَبَاتِ الدَّارِ وَأَرْكَانَ غُرَفِ نَوْمِ الْأَطْفَالِ لِمَنْعِ رُسُوبِ أَيِّ طَاقَةٍ سَلْبِيَّةٍ خَارِجِيَّةٍ، مَعَ أَمْرِ الْأَهْلِ بِلُزُومِ مَوَاقِيتِ أذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَتِيلَاوَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْبَيْتِ لِتَبْقَى أَنْوَارُ لَطِيفَةِ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ سَائِدَةً، فَتَقْتَلِعُ الْخُمُولَ وَالْفَزَعَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الرَّصِينَةِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَاتْرُكُوا تُرَّهَاتِ مَنْ يَجْهَلُونَ عِلْمَ التَّشْخِيصِ وَفِرَازَةِ الْأَعْرَاضِ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّأْصِيلِ وَالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment