دِيوَانُ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ وَتَطْهِيرِ الْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: التَّشْرِيحُ الْبِيُولُوجِيُّ لِلْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ وَقَوَانِينَ التَّكَلُّسِ الْأَثِيرِيِّ
الْمَقَالَةُ الْأُولَى: الْعَيْنُ الثَّالِثَةُ الْبِيُولُوجِيَّةُ: التَّشْرِيحُ النَّسِيجِيُّ لِلْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ وَعَلَاقَتُهَا بِفَرْزِ الْمِيلَاتُونِينَ وَضَبْطِ وَعْيِ النَّوْمِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ
بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، جَاعِلِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ آيَاتٍ تُدْرَكُ بِالِاسْتِبْصَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، مُقَوِّضِ حُصُونِ الظَّلَامِ وَمُبْطِلِ عُقُودِ الْأَهْلِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى بَابِ الْفُتُوحِ وَسِرِّ الِاسْتِشْفَاءِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الرَّافِعِ لِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَالْأَنْشَاطِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً دَائِماً إِلَى يَوْمِ الِارْتِبَاطِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ سُلُوكَ طَالِبِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ بِيُولُوجِيًّا وَعَصَبِيًّا يُعَدُّ الْمَدْخَلَ الْأَوَّلَ لِتَلَقِّي الْفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ. وَيَرْتَكِزُ مَفْهُومُ الْعَيْنِ الثَّالِثَةِ الْبِيُولُوجِيَّةِ فِي مَدْرَسَتِنَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الشَّرْحِ التَّشْرِيحِيِّ وَالنَّسِيجِيِّ الْمُمِلِّ لِلْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ الْقَابِعَةِ فِي عُمْقِ الدِّمَاغِ الْبَشَرِيِّ، وَكَيْفِيَّةِ تَحَكُّمِهَا فِي فَرْزِ هُرْمُونِ الْمِيلَاتُونِينَ لِضَبْطِ دَوْرَةِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، مَعَ بَيَانِ الْأَثَرِ الْأَثِيرِيِّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْعُضْوِيَّةِ فِي تَهْيِئَةِ رُوحِ السَّالِكِ لِلِاسْتِقْبَالِ وَالْعُرُوجِ النُّورَانِيِّ النَّقِيِّ.
أَوَّلاً: التَّشْرِيحُ النَّسِيجِيُّ وَالْبِيُولُوجِيُّ لِلْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ مُسْتَقْبِلُ النُّورِ
تُعْتَبَرُ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ جِسْماً صَغِيراً يُشْبِهُ ثَمَرَةَ الصَّنَوْبَرِ، تَقَعُ فِي الْمَرْكَزِ الْهَنْدَسِيِّ الدَّقِيقِ لِلدِّمَاغِ بَيْنَ النِّصْفَيْنِ الْكُرَوِيَّيْنِ خَلْفَ الْبُطَيْنِ الثَّالِثِ، وَهَذَا الْمَوْقِعُ الْبَاطِنِيُّ يَجْعَلُهَا نُوَاةَ الِاتِّصَالِ الْعَصَبِيِّ دَاخِلَ الْجُمْجُمَةِ.
تُشِيرُ الْأَبْحَاثُ النَّسِيجِيَّةُ الْأَكَادِيمِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْغُدَّةَ الصَّنَوْبَرِيَّةَ فِي أَصْلِهَا الْجَنِينِيِّ تَتَشَابَهُ بِنْيَتُهَا مَعَ خَلَايَا شَبَكِيَّةِ الْعَيْنِ، حَيْثُ تَحْتَوِي عَلَى مُسْتَقْبِلَاتٍ ضَوْئِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ تَقْبَلُ الِاسْتِشْعَارَ التَّرَدُّدِيَّ لِلضَّوْءِ وَالْأَثِيرِ، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ تَسْمِيَتَهَا الْعِلْمِيَّةَ بِالْعَيْنِ الثَّالِثَةِ الْمَادِّيَّةِ.
ثَانِيًا: آلِيَّةُ فَرْزِ الْمِيلَاتُونِينَ وَضَبْطِ وَعْيِ السَّحَرِ
تَقُومُ الْغُدَّةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ بِتَلَقِّي إِشَارَاتِ الضَّوْءِ وَالظَّلَامِ عَبْرَ الْمَسَارِ الْبَصَرِيِّ الْعَصَبِيِّ، فَعِنْدَ حُلُولِ عَتَمَةِ اللَّيْلِ تَنْشَطُ الْغُدَّةُ لِتَفْرِزَ هُرْمُونَ الْمِيلَاتُونِينَ دَاخِلَ مَجْرَى الدَّمِ وَالسَّائِلِ الدِّمَاغِيِّ الشَّوْكِيِّ، مِمَّا يُخْفِضُ دَرَجَةَ حَرَارَةِ الْجَسَدِ وَيُهَيِّئُهُ لِلنَّوْمِ الْعَمِيقِ الْمُسْتَقِرِّ.
تَبْلُغُ إِفْرَازَاتُ الصَّنَوْبَرِيَّةِ قِمَّتَهَا النَّقِيَّةَ بَيْنَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ صَبَاحاً وَهُوَ وَقْتُ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَفِي هَذِهِ السَّاعَاتِ تَتَحَوَّلُ مَوْجَاتُ الدِّمَاغِ إِلَى نَمَطِ تِيتَا وَدِلْتَا الصَّافِي، مِمَّا يَفْتَحُ بَوَّابَةَ الْوَعِيِ الْبَاطِنِيِّ الْمُجَرَّدِ، وَاسْتِيقَاظُ طَالِبِ الْعِلْمِ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ لِلذِّكْرِ وَالْقِيَامِ يَجْعَلُ غُدَّتَهُ الصَّنَوْبَرِيَّةَ فِي أَعْلَى حَالَاتِ الِاسْتِقْبَالِ التَّرَدُّدِيِّ لِلنَّفَحَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، حَيْثُ يَنْقَطِعُ ضَجِيجُ الْمَادَّةِ وَتَعْرُجُ الرُّوحُ خَفِيفَةً نُورَانِيَّةً.
ثَالِثًا: فَرَّازَةُ الْأَعْرَاضِ وَالتَّشْخِيصِ لِتَوَازُنِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ لَدَى السَّالِكِ
تُمَكِّنُ هَذِهِ الْفَرَّازَةِ الْأَكْادِيمِيَّةِ الطَّالِبَ مِنْ تَقْيِيمِ الْحَالَةِ الْبِيُولُوجِيَّةِ لِنُوَاةِ دِمَاغِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَوْرَادِ الْبَصِيرَةِ:
اِسْتِيقَاظُ الطَّالِبِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الْفَجْرِ فُجَائِيًّا دُونَ حَاجَةٍ إِلَى مُنَبِّهٍ مَادِّيٍّ، مَعَ شُعُورٍ بِخِفَّةٍ حَادَّةٍ فِي الْعَيْنَيْنِ وَانْشِرَاحٍ صَدْرِيٍّ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اِنْتِظَامِ دَوْرَةِ الْمِيلَاتُونِينَ النَّقِيِّ.
رُؤْيَةُ مَنَامَاتٍ صَادِقَةٍ مَشْحُونَةٍ بِالْأَلْوَانِ الطَّبِيعِيَّةِ السَّاطِعَةِ تَحْتَوِي عَلَى مَسَاجِدَ أَوْ أَنْوَارٍ أَوْ عُلَمَاءَ، وَتَذَكُّرُ تَفَاصِيلِهَا بِدِقَّةٍ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَهُوَ نَاتِجٌ عَنْ نَقَاءِ شَاشَةِ الْعَرْضِ الدِّمَاغِيِّ الصَّنَوْبَرِيِّ.
صَفَاءُ الذِّهْنِ الْمُطْلَقُ وَتَدَفُّقُ أَمْوَاجِ الْفَهْمِ لِلْآيَاتِ وَالدُّرُوسِ، دُونَ خُمُولٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي النَّوْمِ الْمَعْكُوسِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ الْمُبَارَكَةِ.
تَحْذِيرٌ بَاطِنِيٌّ وَصِحِّيٌّ وَتَشْرِيعِيٌّ صَارِمٌ: يُحْظَرُ تَمَاماً تَعْرِيضُ جَسَدِ طَالِبِ الْعِلْمِ لِلالأَضْوَاءِ الزَّرْقَاءِ الِاصْطِنَاعِيَّةِ كَشَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ وَالْحَوَاسِيبِ بَعْدَ سَاعَةِ الْعِشَاءِ، لِأَنَّ هَذَا التَّلَوُّثَ الضَّوْئِيَّ الْمَادِّيَّ يَخْتَرِقُ الْعَصَبَ الْبَصَرِيَّ وَيُرْسِلُ إِشَارَاتٍ كَاذِبَةً لِلْغُدَّةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ بِأَنَّ النَّهَارَ لَا زَالَ قَائِماً، مِمَّا يَشُلُّ فِرْزَ الْمِيلَاتُونِينَ وَيُحْدِثُ تَعْطِيلًا بِيُولُوجِيًّا حَادّاً يَمْنَعُ الطَّالِبَ مِنَ الِاسْتِيقَاظِ لِأَوْرَادِهِ، وَالسَّلَامَةُ الصَّحِيحَةُ تَقْتَضِي النَّوْمَ فِي عَتَمَةٍ مُطْلَقَةٍ لِتَطْهِيرِ الْخَلَايَا، فَالنُّورُ الْبَاطِنِيُّ لَا يَسْطَعُ دَاخِلَ الدِّمَاغِ إِلَّا إِذَا أُطْفِئَتْ ظُلُمَاتِ أَنْوَارِ الدُّنْيَا الْمَادِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ، لِيَقُومَ السَّالِكُ مُحَصَّناً بِأَمَانِ اللَّهِ وَتَشِعَّ هَالَتُهُ بِالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ النَّقِيَّةِ الْقَاهِرَةِ.
Leave A Comment