دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ السَّادِسَةُ: “فِرَازَةُ الْأَعْرَاضِ الْأَثِيرِيَّةِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي وَأَذَى عُمَّارِ الْمَكَانِ وَالرَّصْدِ”
بِسْمِ اللهِ الْفَاصِلِ الْحَكِيمِ، الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، بَاسِطِ أَنْوَارِ الْحَقِيقَةِ وَمُبَدِّدِ ظُلُمَاتِ اللَّبْسِ وَالْأَوْهَامِ بِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نُورِ الْأَبْصَارِ وَسِرِّ الِاسْتِبْصَارِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً رَبَّانِيّاً مُسْتَمِرّاً، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ رَاقٍ مُعَالِجٍ يَطْلُبُ الْفِصَالَ الْعِلْمِيَّ النَّقِيَّ فِي تَمْيِيزِ الْأَدْوَاءِ، يَقُولُ لَكُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِلْيَاسَ بَعْدَ خِبْرَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ تَفْجِيرِ الْحُصُونِ وَمُقَارَعَةِ طَوَارِقِ الْجَانِّ: اعْلَمُوا أَنَّ غِيَابَ فِقْهِ الْفِرَازَةِ وَالتَّشْخِيصِ هُوَ الثَّقْبُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يَلِجُ مِنْهُ الْفَشَلُ فِي جَلَسَاتِ الِاسْتِشْفَاءِ، لِأَنَّ الْخَلْطَ بَيْنَ أَعْرَاضِ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي وَبَيْنَ تَمَرُّدِ عُمَّارِ الْأَرْضِ أَوْ تَسَلُّطِ رَصْدِ الْمَقَابِرِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ يَجْعَلُ الْمُعَالِجَ يَسِيرُ فِي نَفَقٍ عَمْيَاءَ، وَاللَّيْلَةَ نُؤَصِّلُ لَكُمْ الْعَلَامَاتِ الْفَارِقَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْعَوَارِضِ الثَّلَاثَةِ لِتَكُونَ خُطُوَاتُكُمْ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّمْكِينِ وَالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ.
فِرَازَةُ أَعْرَاضِ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي وَعَلَامَاتُهُ دَاخِلَ الْبَدَنِ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ الْمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ الْمُسْتَعْصِي تَبْدَأُ مِنْ تَتَبُّعِ أَثَرِ الْعَارِضِ الْمُلْتَصِقِ بِالذَّاتِ نَفْسِهَا، حَيْثُ تَظْهَرُ عَلَامَاتُهُ فِي صُورَةِ صُرَاعٍ دَاخِلِيٍّ مُزْمِنٍ لِلْمُصَابِ يَتَبَدَّى فِي بُغْضِ الْعِبَادَاتِ، وَتَنَقُّلِ النَّبْضِ الْحَادِّ فِي الْعُرُوقِ مَعَ وُجُودِ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ شَدِيدَةٍ فِي الْأَطْرَافِ تَزْدَادُ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ الطَّرْدِ، وَهَذَا التَّسْلِيطُ يَسْتَهْدِفُ جَسَدَ الْمَرِيضِ كُلِّيًّا فَيَلُوثُ هَالَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ وَيَحْبِسُ لَطِيفَةَ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ لَدَيْهِ لِيَعِيشَ فِي عُزْلَةٍ وَانْقِبَاضٍ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ كُلَّ رِيحٍ تَهُبُّ فِي الْمَكَانِ مَسّاً شَخْصِيًّا، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي فَهْمَ أَنَّ الْمَسَّ لَا يَرْتَبِطُ بِبُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ يَنْتَقِلُ مَعَ السَّالِكِ حَيْثُمَا رَحَلَ لِأَنَّهُ سَاكِنٌ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالْمَرَافِقِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ تَسَلُّطِ رَصْدِ الْمَقَابِرِ وَتَمَرُّدِ عُمَّارِ الْمَكَانِ الْأَرْضِيِّينَ
أَمَّا عَلَامَاتُ أَذَى عُمَّارِ الْمَكَانِ فَهِيَ لَا تَرْتَبِطُ بِبَدَنِ الْمُصَابِ ابْتِدَاءً، بَلْ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ عَتَبَةِ الدَّارِ نَفْسِهَا، وَتَظْهَرُ فِي صُورَةِ سَمَاعِ طَوَارِقَ أَوْ رُؤْيَةِ خَيَالَاتٍ فِى أَرْجَاءِ الْبَيْتِ، وَيَكُونُ أَذَاهُمْ نَاتِجاً عَنِ اعْتِدَاءِ أَهْلِ الدَّارِ عَلَيْهِمْ بِسَكْبِ السَّوَائِلِ الْحَارَّةِ أَوْ بَدْءِ الْحَفْرِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ شَرْعِيٍّ، لَكِنَّهُمْ لَا يَصْنَعُونَ عُقَداً دَاخِلَ الْجَسَدِ، بِخِلَافِ رَصْدِ الْمَقَابِرِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الَّذِي هُوَ رَبْطٌ أَثِيرِيٌّ مُرَكَّبٌ يَبُثُّهُ الطِّلَسْمُ الْمَلَكِيُّ الْمَدْفُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَتَظْهَرُ أَعْرَاضُهُ فِي صُورَةِ كَسَادٍ تِجَارِيٍّ فُجَائِيٍّ شَدِيدٍ، وَفَقْرٍ مُبَاغِتٍ، مَعَ صُدَاعٍ قَاتِلٍ عِنْدَ نَاصِيَةِ الرَّأْسِ وَظُهُورِ بُقَعٍ زَرْقَاءَ عَلَى جُلُودِ الْحَافِرِينَ بِسَبَبِ اللَّطْخِ الْأَثِيرِيِّ، فَالرَّصْدُ يَحْمِي الْبُقْعَةَ بِسِلَاحِ التَّعْطِيلِ وَحَبْسِ طَاقَةِ الرِّزْقِ لِإِجْبَارِ طَالِبِ الدَّفَائِنِ عَلَى الصُّدُودِ وَالرَّحِيلِ.
آلِيَّةُ غَلْقِ الْمَنَافِذِ وَتَفْجِيرِ حُصُونِ الْعَوَارِضِ الثَّلَاثَةِ بِالْقُرْآنِ
وَلِأَجْلِ حَسْمِ هَذِهِ التَّسْلِيطَاتِ كُلِّيًّا وَبِنَاءِ سُرَادِقٍ مَنِيعٍ يَحْصِرُ الْعَارِضَ بِقُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ، يَجْلِسُ الْمُعَالِجُ الْمُحْتَرِفُ بِطَهَارَةٍ تَامَّةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَضَعُ كَفَّهُ الْيُمْنَى بِحَزْمٍ عَلَى صَدْرِ الْمُصَابِ أَوْ عَلَى عَتَبَةِ الْمَطْلَبِ، ثُمَّ يَنْطِقُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ تَرْ تَعِدُ لَهُ الْعَشَائِرُ السُّفْلِيَّةُ، لِيَقْرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مَرَّةً بِنِيَّةِ غَلْقِ الْمَنَافِذِ وَالْحِفْظِ، ثُمَّ يَتْلُو الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ يَعْقِدُ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ عَلَى كُلِّ مَسٍّ وَرَصْدٍ وَعَارِضٍ أَنْ تَبْطُلَ عُقَدُكُمْ وَتَتَفَجَّرَ حُصُونُكُمْ بِعِزَّةِ اللهِ الْفَتَّاحِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ يُطَهَّرُ الْأَثِيرُ بِرَشِّ الْمَكَانِ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ صَخْرِيٍّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ ارْتِدَادِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَاتْرُكُوا تُرَّهَاتِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment