دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ التَّاسِعَةُ: “دَفَائِنُ الْكُهُوفِ الْبَاطِنِيَّةِ الْعَمِيقَةِ وَفِقْهُ التَّعَامُلِ مَعَ الْخَبَايَا الذَّهَبِيَّةِ الْمَسْجُورَةِ”
بِسْمِ اللهِ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَاسِطِ أَنْوَارِهِ فِي الظُّلُمَاتِ، وَجَاعِلِ كِتَابِهِ حِصْناً مَنِيعاً يَقْطَعُ طَوَارِقَ الْغَيْرَانِ وَالْكُهُوفِ بِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ الَّذِي كَانَ الْغَارُ مَبْدَأَ نُورِهِ وَالْحِفْظُ سِيَاجَ هِجْرَتِهِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً دَائِماً يُثَبِّتُ الْقُلُوبَ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ سَالِكٍ يَبْتَغِي الِاسْتِشْفَاءَ النَّقِيَّ فِى مَيَادِينِ الِاسْتِخْرَاجِ، اعْلَمُوا يَا أَبْنَائِي أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى الْكُهُوفِ الْبَاطِنِيَّةِ الْعَمِيقَةِ لِطَلَبِ الْخَبَايَا الذَّهَبِيَّةِ الْمَسْجُورَةِ لَيْسَ عَمَلاً يَقُومُ عَلَى الشَّجَاعَةِ الْبَدَنِيَّةِ، بَلْ هُوَ مَيْدَانٌ يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ سُلُوكِيٍّ عَمِيقٍ يَدْحَرُ رُعْبَ الظَّلَامِ الَّذِي تَتَغَذَّى عَلَيْهِ أَرْصَادُ الْمَقَابِرِ الْقَدِيمَةِ، فَإِنَّ الْكَهَفَ الْعَمِيقَ يُمَثِّلُ بِيئَةً رَحِيبَةً لِجِنِّ الظُّلُمَاتِ وَالْمَوَانِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ الَّتِي تَعْقِدُ طَلَاسِمَهَا فِي الْفَرَاغَاتِ الْمَسْتُورَةِ، وَخِبْرَةُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ عِلَاجِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ تَحْصِينَ الْقَلْبِ مِنَ الطَّمَعِ وَالْخَوْفِ هُوَ الْبَابُ الْأَوَّلُ لِغَلْقِ الْمَنَافِذِ وَمَنِعِ لَطْخِ الْأَثِيرِ.
طَبِيعَةُ دَفَائِنِ الْكُهُوفِ الْعَمِيقَةِ وَأَسْرَارُ الْحِجَابِ الرَّاصِدِ فِي الظَّلَامِ
يَا بُنَيَّ، تَدَبَّرْ بِقَلْبِكَ قَبْلَ خُطْوَتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَاهِنَ الْقَدِيمَ كَانَ يَتَعَمَّدُ إِيدَاعَ الْخَبَايَا الذَّهَبِيَّةِ الْمَسْجُورَةِ فِي أَطْرَافِ الْكُهُوفِ السَّحِيقَةِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْ كَثَافَةِ الظَّلَامِ الطَّبِيعِيِّ، حَيْثُ يَقُومُ بِبَثِّ طَلَاسِمَ تَعْتَمِدُ عَلَى حَبْسِ الْهَوَاءِ وَتَقْيِيدِ الْأَنْوَارِ، فَيَتَحَوَّلُ جَوْفُ الْكَهْفِ إِلَى مَرْكَزِ بَثٍّ سَلْبِيٍّ يَصْنَعُ حِجَاباً مَانِعاً كَثِيفاً يَحْجِبُ لَطِيفَةَ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ عَنِ الدَّاخِلِينَ، فَيَرَى الْمُنَقِّبُونَ الْمَطْلَبَ فِى صُورَةِ صُخُورٍ سَوْدَاءَ أَوْ حَيَّاتٍ مُتَحَرِّكَةٍ تَبُثُّ الْفَزَعَ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ أَنَّ دَفْعَ خَادِمِ الْكَهْفِ يَكُونُ بِإِيقَادِ النِّيرَانِ أَوْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي شَحْنَ أَعْمَاقِ الْغَارِ بِأَنْوَارِ التَّوْحِيدِ النَّقِيِّ لِتَبْدِيدِ حُجُبِ الْخَفَاءِ وَهَدْمِ عُقَدِ الْمَانِعِ.
فِرَازَةُ الْأَعْرَاضِ الْأَثِيرِيَّةِ لِمُنَقِّبِي الْغِيرَانِ وَعَلَامَاتُ الِانْقِبَاضِ الْبَاطِنِيِّ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ الرَّصْدِ السَّاكِنِ فِى الْكُهُوفِ الْعَمِيقَةِ تَظْهَرُ صَارِمَةً فَوْرَ خُطْوَةِ الْوُلُوجِ الْأُولَى، حَيْثُ يُصَابُ الطَّاقَمُ بِضِيقٍ حَادٍّ وَاخْتِنَاقٍ فِي التَّنَفُّسِ كَأَنَّ الْهَوَاءَ قَدْ نَفِدَ رَغْمَ اتِّسَاعِ الْفَرَاغِ، مَعَ حُصُولِ ثِقَلٍ مُفَاجِئٍ يُمَزِّقُ نَاصِيَةَ الرَّأْسِ وَالْكَتِفَيْنِ يَمْنَعُ طَاقَةَ الِانْشِرَاحِ، وَتَنْمِيلٍ بَارِدٍ يَسْرِي فِي أَعْصَابِ الظَّهْرِ، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ لَيْسَتْ نَقْصاً فِي الْأُوكْسِجِينِ كَمَا يَظُنُّ الْعَوَامُّ، بَلْ هِيَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الرَّصْدَ بَدَأَ فِي بَثِّ سُمُومِهِ الْأَثِيرِيَّةِ لِتَلْوِيثِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ لِلْمُعَالِجِينَ، وَجَلْبِ الْكَسَادِ النَّكِدِ وَالتَّبَلُّدِ فِي نُفُوسِهِمْ لِإِجْبَارِهِمْ عَلَى الرَّحِيلِ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ إِعَادَةَ التَّمْكِينِ وَغَلْقِ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ بِقُوَّةِ الْقَبْضِ الرَّبَّانِيَّةِ.
الْمَنْهَجُ السُّلُوكِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ وَدَكِّ حُصُونِ الْكُهُوفِ
وَلِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ يَا بُنَيَّ صَاحِبَ يَقِينٍ ثَابِتٍ تَرْ تَعِدُ لَهُ الْعَشَائِرُ الشَّيْطَانِيَّةُ فِي الظَّلَامِ، يَجِبُ عَلَيْكَ قَبْلَ دُخُولِ الْكَهْفِ أَنْ تَأْمُرَ طَاقَمَكَ بِالتَّجَرُّدِ مِنَ الطَّمَعِ، ثُمَّ تَقِفُ عِنْدَ فَمِ الْغَارِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَتَبْدَأُ بِشَحْنِ الْأَثِيرِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَتْلُو آيَاتِ النُّورِ لِتَبْدِيدِ حُجُبِ الْخَفَاءِ وَأَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) سَبْعاً، ثُمَّ تَضَعُ كَفَّكَ الْيُمْنَى بِقُوَّةِ التَّمْكِينِ عَلَى مَدْخَلِ الْغَارِ وَتَقْرَأُ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ كُلِّيًّا.
زَجْرُ الِاقْتِحَامِ النُّورَانِيِّ لِلْمَغَارَاتِ وَطُرُقُ تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ
ثُمَّ يَنْطِقُ الْمُعَالِجُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ، وَيَعْقِدُ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً مُتَّصِلَةً دَاخِلَ الظُّلْمَةِ: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِعِزَّةِ اللهِ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، الْقَاهِرِ فَوْقَ عِبَادِهِ، عَلَى كُلِّ رَصْدٍ وَخَادِمٍ سَاكِنٍ فِي ظُلُمَاتِ هَذَا الْكَهْفِ، أَنْ تَبْطُلَ طَلَاسِمُكُمْ وَتَتَفَجَّرَ حُصُونُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْخَبَايَا الذَّهَبِيَّةِ، حَجَبْنَا أَبْدَانَنَا بِسُرَادِقِ اللهِ الْكَثِيفِ، وَأَظْهَرْنَا الْمَكْنُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، فَيَزُولُ رُعْبُ الْمَكَانِ وَيَنْقَشِعُ حِجَابُ الْتَغْيِيبِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الِاسْتِخْرَاجِ، يُطَهَّرُ الْأَثِيرُ بِرَشِّ زَوَايَا الْكَهْفِ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ صَخْرِيٍّ نَقِيٍّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ ارْتِدَادِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِالتَّأْصِيلِ وَالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment