دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: “دَلَالَاتُ الْأَحْلَامِ وَالرُّمُوزِ الْإِشَارِيَّةِ الَّتِي تَبُثُّهَا مَوَانِعُ الْكُنُوزِ لِتَرْهِيبِ السَّالِكِينَ”
بِسْمِ اللهِ الْكَاشِفِ عَنْ مَكْنُونَاتِ الْغَيْبِ، جَاعِلِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ بُشْرَى لِأَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُهَدِّمِ حِيلِ الشَّيَاطِينِ فِي عَالَمِ الصُّوَرِ وَالْأَمْثَالِ بِعَظَمَةِ سُلْطَانِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى هَادِي الْأُمَّةِ وَمُبَدِّدِ مَخَاوِفِ الظَّلَامِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً دَائِماً يُنِيرُ الْبَصَائِرَ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ مُعَالِجٍ يَبْغِي التَّشْخِيصَ الْعِلْمِيَّ النَّقِيَّ، اعْلَمُوا يَا أَبْنَائِي أَنَّ مَوَانِعَ الْكُنُوزِ وَأَرْصَادَ الْمَقَابِرِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ لَا تُحَارِبُ الْمُنَقِّبَ فِي مَيْدَانِ الْحَفْرِ فَقَطْ، بَلْ تَسْبِقُهُ إِلَى عَالَمِ النَّوْمِ لِتَبُثَّ فِي أَثِيرِ عَقْلِهِ الْبَاطِنِ صُوَراً وَرُمُوزاً إِشَارِيَّةً مُرْعِبَةً، تِلْكَ الشَّاشَاتُ الْأَثِيرِيَّةُ الْمُفْتَعَلَةُ لَيْسَتْ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ طَبِيعِيَّةً، بَلْ هِيَ حَرْبٌ نَفْسِيَّةٌ طَاقِيَّةٌ يَشُنُّهَا خَادِمُ الرَّصْدِ لِكَسْرِ هِمَّةِ الطَّاقَمِ، وَإِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ تَفْجِيرِ الْحُصُونِ السُّفْلِيَّةِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ فَكَّ شِفْرَاتِ هَذِهِ الرُّؤَى الشَّيْطَانِيَّةِ هُوَ الْخُطْوَةُ الْأُولَى لِتَحْصِينِ النَّفْسِ وَصِيَانَةِ لَطِيفَةِ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ عَنِ الِانْحِلَالِ.
دَلَالَاتُ الرُّمُوزِ الْإِشَارِيَّةِ فِي أَحْلَامِ الْمُنَقِّبِينَ عَنِ الدَّفَائِنِ
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ طِلَسْمٍ مَلَكِيٍّ لُغَةً يَبُثُّهَا فِي مَنَامِ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ عَتَبَتِهِ، فَمِنْ أَبْرَزِ الرُّّمُوزِ الْمَيْدَانِيَّةِ رُؤْيَةُ الْأَفَاعِي الْعِمْلَاقَةِ ذَاتِ الْأَلْوَانِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي تُطَاوِلُ السَّالِكَ دُونَ لَدْغٍ، وَهِيَ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى رَصْدٍ مَائِيٍّ أَوْ تُرَابِيٍّ يُحَاصِرُ الْمَطْلَبَ، كَمَا تَظْهَرُ الرُّمُوزُ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ الْمُسْتَمِرِّ فِي آبَارٍ سَحِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُلُوكٍ وَكَهَنَةٍ فَرَاعِنَةٍ يَنْظُرُونَ إِلَى الْمُنَقِّبِ بِنَظَرَاتِ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَحْسَبُونَ هَذِهِ الرُّؤَى بَشَائِرَ بِالْفَتْحِ الْقَرِيبِ فَيَنْدَفِعُونَ لِلْحَفْرِ دُونَ دِرْعٍ مَكِينٍ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ هِيَ حِجَابٌ مَانِعٌ كَثِيفٌ يَبُثُّهُ الرَّصْدُ لِتَلْوِيثِ الْهَالَةِ النُّورَانِيَّةِ وَإِصَابَةِ الْعَقْلِ بِالتَّبَلُّدِ وَالْخَوْفِ الْبَاطِنِيِّ.
فِرَازَةُ الْأَعْرَاضِ الْأَثِيرِيَّةِ لِلرُّؤَى الشَّيْطَانِيَّةِ وَأَثَرُهَا عَلَى الْمَعَاشِ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ هَذِهِ التَّهْوِيلَاتِ الْمَنَامِيَّةِ تَظْهَرُ صَارِمَةً فِي يَقَظَةِ السَّالِكِ، حَيْثُ يَسْتَيْقِظُ الْمُنَقِّبُ مِنَ النَّوْمِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِاخْتِنَاقٍ شَدِيدٍ وَضِيقٍ حَادٍّ فِي الصَّدْرِ كَأَنَّ ثِقْلاً صَخْرِيّاً رَابِضٌ عَلَيْهِ، مَعَ حُصُولِ صُدَاعٍ يُمَزِّقُ نَاصِيَةَ الرَّأْسِ وَتَنْمِيلٍ بَارِدٍ فِي الْكَتِفَيْنِ وَالْأَطْرَافِ، وَهَذِهِ الْإِشَارَاتُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ ذَبْذَبَاتِ الطلَسْمِ قَدْ أَحْدَثَتْ خَلَلًا طَاقِيّاً فِي مَرَاكِزِ الْإِدْرَاكِ، وَإِذَا أُهْمِلَتْ هَذِهِ الْأَعْرَاضُ، انْعَكَسَتْ فَوْراً عَلَى حَيَاتِهِ الْعَمَلِيَّةِ فَتُصَابُ دَارُهُ بِخِلَافَاتٍ نَكِدَةٍ وَتَنْقَطِعُ عَنْهُ أَنْوَارُ التَّيْسِيرِ فِي الْمَعَاشِ وَيَقَعُ فِي الْكَسَادِ التِّجَارِيِّ، لِأَنَّ مَرَدَةَ الْجِنِّ السُّفْلِيِّ تَسْتَغِلُّ فَتْحَ مَنَافِذِ النَّفْسِ عَبْرَ الْخَوْفِ لِتَمْطَقَ بَرَكَةَ الْمَالِ وَالنَّفْسِ.
طُرُقُ تَفْكِيكِ الشَّاشَاتِ الْأَثِيرِيَّةِ وَنَقْضِ طَلَاسِمِ التَّرْهِيبِ بِالْقُرْآنِ
وَلِأَجْلِ نَقْضِ هَذِهِ التَّهْوِيلَاتِ الصُّوَرِيَّةِ وَتَحْصِينِ عَقْلِ الْمُعَالِجِ وَأَثِيرِهِ بِالْقُرْآنِ، يَجِبُ عَلَى السَّالِكِ قَبْلَ النَّوْمِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ يَقِينٍ ثَابِتٍ، فَيَجْلِسُ بِطَهَارَةٍ مُطْلَقَةٍ بَدَناً وَفِرَاشاً مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ الشَّرِيفَةِ، وَيَقْرَأُ آيَاتِ كَشْفِ الزَّيْفِ وَالْحِفْظِ وَأَوَّلُهَا سُورَةُ الصَّافَّاتِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَّصِلَةٍ، ثُمَّ يَتْلُو سُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثاً بِنِيَّةِ غَلْقِ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ مَعَ النَّفْثِ فِي الْكَفَّيْنِ وَمَسْحِ الْجَسَدِ، فَتَتَحَوَّلُ الْهَالَةُ إِلَى سُرَادِقٍ كَثِيفٍ تَتَحَطَّمُ عَلَى أَعْتَابِهِ مَوْجَاتُ التَّرْهِيبِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَتَنْفَتِحُ لَهُ أَنْوَارُ لَطِيفَةِ الِانْشِرَاحِ.
زَجْرُ نَقْضِ صُوَرِ الْوَهْمِ وَآلِيَّةُ تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ الْمَنَامِيِّ عَمَلِيًّا
ثُمَّ يَنْطِقُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ تَرْ تَعِدُ لَهُ الْعَشَائِرُ السُّفْلِيَّةُ، لِيَقْرَأَ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً قَبْلَ الِاضْطِجَاعِ: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِعِزَّةِ اللهِ نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مَاحِي الظُّلُمَاتِ وَمُبْطِلِ حِيَلِ السَّحَرَةِ الْأَقْدَمِينَ، عَلَى كُلِّ رَصْدٍ وَخَادِمٍ وَمَانِعٍ فِرْعَوْنِيٍّ يَبُثُّ الْخَوْفَ وَالْوَهْمَ فِي مَنَامِي، أَنْ تَبْطُلَ شَاشَاتُكُمْ وَتَتَفَجَّرَ عُقَدُكُمْ بِأَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، حَجَبْتُ عَقْلِي وَرُوحِي بِسُرَادِقِ اللهِ الْمَنِيعِ، وَدَمَّرْتُ طَلَاسِمَكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً، فَيَنَامُ الطَّالِبُ مَحْرُوساً بِحِرْسٍ شَدِيدٍ لَا يَقْرَبُهُ طَارِقُ سُوءٍ، وَبَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ يُطَهَّرُ أثِيرُ غُرْفَةِ النَّوْمِ بِرَشِّ زَوَايَاهَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ صَخْرِيٍّ نَقِيٍّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ رُسُوبِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِالتَّأْصِيلِ وَالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment