دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ الْخَامِسَةُ: “الرَّصْدُ الْمَائِيُّ وَعَلَامَاتُ الدَّفَائِنِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الْقَابِعَةِ فِي مَجَارِي الْمِيَاهِ وَالْآبَارِ الْقَدِيمَةِ”
بِسْمِ اللهِ مُجْرِي الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ، جَاعِلِ مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، الْقَاهِرِ بِسُلْطَانِهِ لِعُتَاةِ الْجَانِّ فِي أَعْمَاقِ الْبِحَارِ وَالْآبَارِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نُورِ الْأَبْصَارِ وَسِرِّ الِاسْتِبْصَارِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً دَائِماً يُبَدِّدُ حُجُبَ الظَّلَامِ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ مُعَالِجٍ يَبْغِي التَّأْصِيلَ الْعِلْمِيَّ النَّقِيَّ، اعْلَمُوا أَنَّ الْوُلُوجَ فِي أَعْمَاقِ الْآبَارِ الْقَدِيمَةِ وَمَجَارِي الْمِيَاهِ الْأَثَرِيَّةِ لِاسْتِخْرَاجِ الرَّكِازِ الْمَسْتُورِ يَضَعُ الطَّاقَمَ أَمَامَ أَقْوَى الطَّبَائِعِ وَأَكْثَرِهَا مُرَاوَغَةً، وَهُوَ الرَّصْدُ الْمَائِيُّ الْمُرَكَّبُ، حَيْثُ تَعَمَّدَ كَهَنَةُ الْفَرَاعِنَةِ بِنَاءَ مَخَابِئِهِمْ الْمَلَكِيَّةِ تَحْتَ عُيُونِ الْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ أَوْ فِي قَاعِ الْآبَارِ الْمَطْمُورَةِ، بَعْدَ أَنْ رَبَطُوا طَاقَةَ الطلسم بِطَبِيعَةِ الْجِنِّ الْغَوَّاصِ لِيَصْنَعُوا حِصْناً سَائِلاً يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمِيَاهِ، وَخِبْرَةُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي تَفْجِيرِ الْحُصُونِ السُّفْلِيَّةِ أَوْرَثَتْنَا فِقْهاً قَاطِعاً بِأَنَّ دَحْرَ هَذَا الْمَانِعِ يَتَطَلَّبُ عِلْماً بِكَيْفِيَّةِ فَصْلِ الرَّبْطِ الْأَثِيرِيِّ عَنِ الْعُنْصُرِ الْمَائِيِّ كُلِّيًّا بِأَنْوَارِ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ.
أَسْرَارُ الرَّصْدِ الْمَائِيِّ وَعَلَامَاتُ الدَّفَائِنِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ فِي الْآبَارِ
يَا بُنَيَّ، لِكَيْ تَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي الْمَيْدَانِ، اعْلَمْ أَنَّ الرَّصْدَ الْمَائِيَّ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الصَّلَابَةِ الصَّخْرِيَّةِ، بَلْ عَلَى خَاصِّيَّةِ الْحَجْبِ وَالتَّغْيِيبِ الْأَثِيرِيِّ، فَمِنْ عَلَامَاتِ وُجُودِ الدَّفَائِنِ فِي هَذِهِ الْبِيئَةِ حُصُولُ فَيَضَانٍ فُجَائِيٍّ لِلْمِيَاهِ دَاخِلَ الْبِئْرِ كُلَّمَا اقْتَرَبَ الْحَفْرُ مِنْ مَوْضِعِ الرَّكِازِ رَغْمَ جَفَافِ الْمَوْسِمِ، أَوْ تَحَوُّلِ لَوْنِ الْمَاءِ إِلَى السَّوَادِ الدَّاكِنِ مَعَ انْبِعَاثِ حَرَارَةٍ شَدِيدَةٍ مِنْ جَوْفِ الْبِئْرِ، وَهَذِهِ الظَّوَاهِرُ لَيْسَتْ عُيُوناً طَبِيعِيَّةً كَمَا يَظُنُّ قَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ، بَلْ هِيَ طَاقَةُ الطِّلَسْمِ الْقَدِيمِ الَّتِي تُحَرِّكُ عُنْصُرَ الْمَاءِ لِصَنْعِ حِجَابٍ مَانِعٍ كَثِيفٍ يَحْبِسُ أَنْوَارَ الِانْشِرَاحِ وَالْقَبُولِ، فَيُصَابُ الْحَاضِرُونَ بِرُعْبٍ بَاطِنِيٍّ وَخُمُولٍ حَادٍّ يَصْرِفُهُمْ عَنِ الْمَكَانِ، وَيَجْلِبُ لِصَاحِبِ الْمَطْلَبِ كَسَاداً تِجَارِيًّا وَضِيقاً فِي الْمَعَاشِ كَعُقُوبَةٍ ارْتِدَادِيَّةٍ مِنَ الْجِنِّ الْغَوَّاصِ.
فِرَازَةُ الْأَعْرَاضِ الْأَثِيرِيَّةِ لِلطَّاقَمِ أَثْنَاءَ التَّنْقِيبِ الْمَائِيِّ
إِنَّ فِرَازَةَ أَعْرَاضِ هَذَا التَّسْلِيطِ الْمَائِيِّ تَظْهَرُ دَقِيقَةً عَلَى أَبْدَانِ الْمُنَقِّبِينَ، حَيْثُ يَشْعُرُ مَنْ يَنْزِلُ إِلَى جَوْفِ الْبِئْرِ بِبُرُودَةٍ قَارِسَةٍ تَمْزِقُ عِظَامَهُ رَغْمَ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الْخَارِجِ، مَعَ حُصُولِ ثِقَلٍ شَدِيدٍ وَانْقِبَاضٍ حَادٍّ فِي الصَّدْرِ كَأَنَّ جَبَلًا جَاثِمٌ عَلَيْهِ، وَتَنْمِيلٍ شَدِيدٍ يَبْدَأُ مِنَ أَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَيَعْرُجُ نَحْوَ نَاصِيَةِ الرَّأْسِ، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الرَّصْدَ بَدَأَ فِي بَثِّ ذَبْذَبَاتِهِ السَّامَّةِ لِتَلْوِيثِ الْأَثِيرِ الْمُحِيطِ بِهَالَةِ الطَّاقَمِ، وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَرَى الْحَافِرُ خَيَالَاتٍ مَائِيَّةً مُتَحَرِّكَةً فِي الْقَاعِ تَسْعَى لِتَهْوِيلِ نَفْسِيَّتِهِ وَإِصَابَتِهِ بِالتَّبَلُّدِ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ غَلْقَ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ فَوْراً بِقُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ الشَّرْعِيِّ النَّقِيِّ.
آلِيَّةُ نَقْضِ الرَّصْدِ الْمَائِيِّ وَتَفْجِيرِ عُقَدِ الْآبَارِ بِالْقُرْآنِ
وَلِأَجْلِ اخْتِرَاقِ هَذَا الْحِصْنِ السَّائِلِ وَدَكِّ عُقَدِ الْجِنِّ الْغَوَّاصِ بِالْقُرْآنِ، يَجِبُ عَلَى الرَّاقِي الْمُحْتَرِفِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ نَبْرَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ حَازِمَةٍ تَخْضَعُ لَهَا طَبَائِعُ الْعَوَارِضِ السُّفْلِيَّةِ، فَيَقِفُ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ أَوْ عَتَبَةِ الْمَاءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِطَهَارَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَيَقْرَأُ آيَاتِ الْفَتْحِ وَالْإِبْطَالِ الشَّرِيفَةِ وَأَوَّلُهَا سُورَةُ الْفُرْقَانِ كَامِلَةً بِنِيَّةِ قَهْرِ عَنَاصِرِ الْمَاءِ الْمُرْصَدَةِ، مَعَ تِكْرَارِ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً) سَبْعَ مَرَّاتٍ مُتَّصِلَةٍ لِصَنْعِ حَاجِزٍ أَثِيرِيٍّ يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ يَتْلُو الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِدَكِّ طَلَاسِمِ الْفَرَاعِنَةِ كُلِّيًّا.
الزَّجْرُ الْقَاصِمُ لِلْجِنِّ الْغَوَّاصِ وَطَرِيقَةُ تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ الْمَائِيِّ
ثُمَّ يَنْطِقُ الْمُعَالِجُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِيَقِينٍ ثَابِتٍ لِيَعْقِدَ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً فَوْقَ الْمَاءِ: أُقْسِمُ وَأَعْزِمُ بِعِزَّةِ اللهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، خَالِقِ الْبِحَارِ وَمُجْرِي الْعُيُونِ، عَلَى كُلِّ رَصْدٍ وَخَادِمٍ وَمَانِعٍ غَوَّاصٍ يَسْكُنُ هَذَا الْمَاءَ وَهَذَا الْبِئْرَ، أَنْ تَبْطُلَ طَلَاسِمُكُمْ وَتَنْفَكَّ عُقَدُكُمْ فَوْراً بِأَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، حَجَبْنَا أَبْدَانَنَا بِسُرَادِقِ اللهِ الْمَنِيعِ، وَقَطَعْنَا مَدَدَكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، فَيَغُورُ الْمَاءُ الرَّاصِدُ أَوْ يَسْكُنُ، وَتَتَفَجَّرُ الْحُصُونُ وَيَزُولُ حِجَابُ الْخَفَاءِ عَنِ الرَّكِازِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الِاسْتِخْرَاجِ، يُطَهَّرُ الْأَثِيرُ بِرَشِّ زَوَايَا الْمَكَانِ بِمَاءٍ طَاهِرٍ مُذَابٍ فِيهِ مِلْحٌ صَخْرِيٌّ نَقِيٌّ قُرِئَتْ عَلَيْهِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتُ السَّكِينَةِ لِمَنْعِ ارْتِدَادِ الطَّاقَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَدَعُوا تُرَّهَاتِ مَنْ جَهِلَ هَذَا الْعِلْمَ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالِاتِّبَاعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment