دِيوَانُ عُلُومِ الخَفَايَا وَتَشْخِيصِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ
خَوْفُ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ: كَيْفَ يَنْقَلِبُ السِّحْرُ عَلَى السَّاحِرِ وَالعَارِضِ؟
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ العِزَّةَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً، سُبْحَانَهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ المَلِكُ القَهَّارُ الذِي خَضَعَتْ لَهُ عُرُوشُ الظَّلَامِ صَاغِرَةً ذَلِيلَةً، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلَاحِمِ الأَنْوَرِ، وَالسِّرِّ الأَظْهَرِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالبَصَائِرِ الحَادَّةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّفَقُّهَ الرَّصِينَ فِي طَبِيعَةِ خَوْفِ المَرَدَةِ وَالعَفَارِيتِ وَفَهْمِ كَيْفِيَّةِ انْقِلَابِ السِّحْرِ عَلَى السَّاحِرِ وَالعَارِضِ يُعَدُّ مِنَ المَبَانِي العِلْمِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي نَحْرِصُ عَلَى تَلْقِينِهَا لِطُلَّابِ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ [🔎]. إِنَّ التَّصَدِّيَ لِأَذَى طَوَاغِيتِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ المَلَكِيَّةَ النَّاصِعَةَ إِذَا كَانَ المُعَالِجُ يَظُنُّ أَنَّ العَارِضَ لَا يَخَافُ، بَلِ الحَقِيقَةُ البَاطِنِيَّةُ أَنَّ رُعْبَهُمْ عَمِيقٌ وَحُصُونَهُمْ تَنْقَلِبُ إِلَى سُجُونٍ تَحْرِقُ كِيَانَهُمْ إِذَا قُوبِلَتْ بِعِلْمٍ مَوْزُونٍ. وَتَنْبِيهُنَا الرَّاسِخُ دَائِمَاً أَنَّ هَذِهِ الأَسْرَارَ حِرْزٌ صَارِمٌ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمَقَامِ المُشَافَهَةِ الحَذِرَةِ حِفْظاً لِلْعَقَائِدِ وَالأَبْدَانِ.
حَقِيقَةُ الرُّعْبِ المَكْتُومِ دَاخِلَ نُفُوسِ طَوَاغِيتِ الخَفَايَا
إِنَّ النَّظْرَةَ العَامِّيَّةَ السَّائِدَةَ تَرْسِمُ المَارِدَ وَالعِفْرِيتَ فِي صُورَةِ كَائِنَاتٍ لَا تُقْهَرُ، وَهَذَا جَهْلٌ صَرِيحٌ يَقْتَاتُ عَلَيْهِ العَارِضُ لِيَقْوَى دَاخِلَ البَدَنِ. الحَقِيقَةُ العِلْمِيَّةُ النَّقِيَّةُ أَنَّ مَرَدَةَ العَالَمِ السُّفْلِيِّ وَعَفَارِيتَهُ يَعِيشُونَ فِي حَالَةٍ مِنَ الخَوْفِ الدَّائِمِ؛ فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَتَحَرَّكُونَ فِي نِطَاقٍ مَخْلُوقٍ مَحْصُورٍ مَحْكُومٍ بِالقَهْرِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ [🔎]. يَرْتَعِدُ المَارِدُ التُّرَابِيُّ الثَّقِيلُ وَيَخَافُ العِفْرِيتُ النَّارِيُّ مِنَ انْكِشَافِ أَمْرِهِمَا أَمَامَ طَالِبِ عِلْمٍ يَمْلِكُ بَصِيرَةً حَادَّةً؛ لِأَنَّ صِدْقَ التَّوَجُّهِ يَقْطَعُ عَنْهُمْ مَدَدَ الوَسْوَاسِ وَيُحَوِّلُ طَاقَتَهُمْ السَّلْبِيَّةَ إِلَى وَبَالٍ يَرْتَدُّ عَلَى كِيَانِهِمْ دَاخِلَ الدَّمِ.
كَيْفَ يَرْتَدُّ أَثَرُ العُقَدِ وَيَنْقَلِبُ السِّحْرُ عَلَى العَارِضِ؟
عِنْدَمَا يَعْقِدُ السَّاحِرُ عُقْدَتَهُ المَلْعُونَةَ وَيُوَجِّهُ المَارِدَ لِحِرَاسَتِهَا دَاخِلَ مَرَافِقِ جَسَدِ المَسْحُورِ كَالعَقْلِ أَوْ الأَرْحَامِ، فَإِنَّ هَذِهِ العُقْدَةَ تَعْتَمِدُ عَلَى طَاقَةِ الغَفْلَةِ وَالخَوْفِ لِتَسْتَمِرَّ [🔎]. عِنْدَمَا يَبْدَأُ المُعَالِجُ الذَّكِيُّ فِي مَدْرَسَتِنَا بِتَطْبِيقِ خِطَّةِ الحِصَارِ، تَنْفَتِقُ أَوْصَالُ هَذِهِ العُقَدِ؛ فَيَنْقَلِبُ السِّحْرُ عَلَى الخَادِمِ السُّفْلِيِّ مُبَاشَرَةً. تَتَحَوَّلُ الدُّرُوعُ الَّتِي بَنَاهَا المَارِدُ لِلِاحْتِمَاءِ إِلَى أَغْلَالٍ وَسَلَاسِلَ تَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ، وَتَنْقَلِبُ سُرْعَةُ العِفْرِيتِ النَّارِيِّ إِلَى لَهَبٍ دَاخِلِيٍّ يَحْرِقُ مَحَاوِرَ حَرَكَتِهِ، فَيُصْبِحُ العَارِضُ مُحَاصَراً بَيْنَ مَطْرَقَةِ الآيَاتِ النُّورَانِيَّةِ وَبَيْنَ سُلْطَةِ السِّحْرِ المُنْقَلِبِ الذِي صَارَ يَسْحَبُ مِنْ حَيَوِيَّتِهِ وَيَدُكُّ أَرْكَانَ وُجُودِهِ.
فِرَاسَةُ رَصْدِ خَوْفِ العَارِضِ أَثْنَاءَ غُرْفَةِ التَّشْخِيصِ
تُعَلِّمُكُمْ فِرَاسَةُ التَّشْخِيصِ المَلَكِيَّةُ الَّتِي نَحْنُ حُرَّاسُهَا وَمُؤَسِّسُوهَا فِي هَذَا الصَّرْحِ، أَنْ تَقْرَؤُوا عَلَامَاتِ رُعْبِ المَرَدَةِ بِيَقِينٍ هَنْدَسِيٍّ. عِنْدَ بِدَايَةِ تِلَاوَةِ آيَاتِ القَهْرِ وَالنَّسْفِ، يَظْهَرُ خَوْفُ العِفْرِيتِ عَلَى شَكْلِ اهْتِزَازٍ مُتَلَاحِقٍ وَمُضْطَرِبٍ فِي أَصَابِعِ القَدَمِ مَعَ تَعَرُّقٍ بَارِدٍ يَغْمُرُ كَفَّي المَرِيضِ [🔎]. أَمَّا المَارِدُ العَنِيدُ، فَيَظْهَرُ خَوْفُهُ المَكْتُومُ فِي حُصُورِ ضَغْطٍ حَادٍّ فِي مَنْطِقَةِ المَعِدَةِ (حَيْثُ مَرْكَزُ انْقِلَابِ العُقَدِ)، مَعَ تَسَارُعٍ شَدِيدٍ فِي ضَرَبَاتِ القَلْبِ يَعْقُبُهُ صَمْتٌ جَامِدٌ وَتَحَجُّرٌ فِي الرَّقَبَةِ، وَهَذِهِ الحَرَكَاتُ هِيَ دَلِيلُ انْكِسَارِ حُصُونِهِمْ وَبِدَايَةِ ارْتِدَادِ السِّحْرِ عَلَى كِيَانِهِمْ الصَّاغِرِ.
الانْعِكَاسَاتُ المَنَامِيَّةُ لِانْقِلَابِ المَوَازِينِ الطَّاقِيَّةِ
فِي مَقَامِ الرُّؤَى لِلْمَسْحُورِ، يَتَجَسَّدُ هَذَا الِانْقِلَابُ الطَّاقِيُّ العَظِيمُ عَلَى شَاشَةِ النَّوْمِ بِصُوَرٍ مَمْلُوءَةٍ بِالنَّصْرِ وَالثَّبَاتِ. يَرَى المَصَابُ نَفْسَهُ دَائِمَاً يَقُومُ بِتَحْطِيمِ سَلَاسِلَ حَدِيدِيَّةٍ، أَوْ يَرَى أَنَّهُ يَحْرِقُ أَوْرَاقاً وَخُيُوطاً مُعَقَّدَةً بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ [🔎]. كَمَا يَتَكَرَّرُ لَدَيْهِ رُؤْيَةُ الفِرَارِ المَرْعُوبِ لِلْأَشْخَاصِ العِمْلَاقِي الطُّولِ (المَرَدَةِ) أَمَامَهُ، أَوْ تَمَزُّقِ نِيرَانِ العَفَارِيتِ وَتَحَوُّلِهَا إِلَى رَمَادٍ مَحْرُوقٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. هَذِهِ الإِشَارَاتُ البَرْمَجِيَّةُ المَنَامِيَّةُ لَيْسَتْ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ، بَلْ هِيَ التَّقْرِيرُ الروحيُّ الذِي يُثْبِتُ أَنَّ الحُصُونَ السُّفْلِيَّةَ قَدِ انْهَارَتْ وَأَنَّ العَارِضَ صَارَ يَعِيشُ رُعْبَ الهَلَاكِ المَحْتُومِ.
اسْتِرَاتِيجِيَّةُ النَّسْفِ النُّورَانِيِّ لِإِتْمَامِ انْقِلَابِ السِّحْرِ
المُعَالِجُ البَصِيرُ دَاخِلَ مَدْرَسَتِنَا لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ بُكاءِ العَارِضِ أَوْ صُرَاخِهِ، بَلْ يَدْخُلُ مَقَامَ الدَّكِّ الكَامِلِ بِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ “إِعَادَةِ تَوْجِيهِ الطَّاقَةِ المُنْقَلِبَةِ”. يُبْدَأُ العِلَاجُ بِإِلْزَامِ الحَالَةِ بِالطَّهَارَةِ الصَّارِمَةِ، وَتَقْوِيَةِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ النَّاصِعَةِ فِي قَلْبِهَا، ثُمَّ يَتِمُّ قِرَاءَةُ آيَاتِ النَّسْفِ وَارْتِدَادِ الكَيْدِ (مِثْلَ «وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ» وَآيَاتِ النَّسْفِ فِي سُورَةِ طه)، مَعَ تِكْرَارِ سُورَةِ الصَّافَّاتِ وَسُورَةِ الجِنِّ [🔎]. عِنْدَئِذٍ، تَنْحَلُّ بَقَايَا العُقَدِ السُّفْلِيِّ دَاخِلَ الدَّمِ، وَيَجِدُ المَارِدُ نَفْسَهُ مَحْرُوقاً بِذَاتِ الحِصْنِ الذِي عَقَدَهُ، فَيَنْقَطِعُ مَدَدُهُ وَيَخْرُجُ صَاغِراً ذَلِيلاً هَارِباً أَوْ يَهْلِكُ بِالقَهْرِ الرَّبَّانِيِّ.
خَاتِمَةُ المَتْنِ وَتَهَاوِي عُرُوشِ العِصْيَانِ
نَخْتِمُ هَذَا المَتْنَ الرَّابِعَ وَالعِشْرِينَ العِمْلَاقَ بِغَرْسِ بَيْرَقِ النَّصْرِ وَاليَقِينِ فِي صُدُورِ كُلِّ السَّالِكِينَ وَالطُّلَّابِ دَاخِلَ مَدْرَسَةِ سِرِّ البَصِيرَةِ المُبَارَكَةِ. مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّةُ المَارِدِ السُّفْلِيِّ، وَمَهْمَا بَنَى العِفْرِيتُ مِنَ الحُصُونِ العَمِيقَةِ لِتَعْطِيلِ سُبُلِ البَشَرِ، فَإِنَّ خَوْفَهُمْ عَمِيقٌ وَكِيَانَهُمْ يَنْهَارُ وَيَتَلَاشَى كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ أَمَامَ بَهَاءِ الصِّدْقِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ القَهَّارِ. الخَوْفُ وَالغَفْلَةُ هُمَا الحَبْلُ الذِي يَمُدُّهُمْ بِالبَقَاءِ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ بَصِيرَتُكَ بِالنُّورِ، انْقَلَبَ السِّحْرُ عَلَى السَّاحِرِ وَالعَارِضِ وَصَارُوا رَمَاداً مَحْرُوقاً. حَافِظْ عَلَى سِرِّكَ المَعْهُودِ تَدُمْ بَرَكَتُكَ، وَالْتَزِمْ بِالحَذَرِ الصَّارِمِ فِي مَقَامَاتِكَ لِيَعْلُوَ الحَقُّ تَمَاماً فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ وَيَسْتَقِرَّ حِفْظُ اللهِ الرَّبَّانِيِّ العَظِيمِ.
Leave A Comment