دِيوَانُ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: التَّحْصِينَاتُ الْكُبْرَى وَالْعُهُودُ وَالسُّرَادِقَاتُ الْمَنِيعَةُ
الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ: “كَيْفِيَّةُ بِنَاءِ السُّرَادِقَاتِ الْمَنِيعَةِ بِحُرُوفِ النُّورِ لِقَطْعِ تَجْدِيدِ السِّحْرِ الْمَرْشُوشِ وَالْمَأْكُولِ”
بِسْمِ اللهِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ، جَاعِلِ الْقُرْآنِ شِفَاءً وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَخَافِضِ حِصْنِ الْمُعْتَدِينَ بِقُوَّةِ جَلَالِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، النُّورِ الْأَبْهَجِ وَالْحِصْنِ الْأَعْظَمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْفِقْهِ الْبَاطِنِيِّ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ مُعَالِجٍ يَطْلُبُ الْحَقِيقَةَ الْعِلْمِيَّةَ فِي دَفْعِ أَذِى طَوَارِقِ الْجَانِّ، اعْلَمُوا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُؤْرِقُ الْمُصَابِينَ وَيُحَيِّرُ الرُّقَاةَ الْجُهَّالَ هُوَ مَسْأَلَةُ تَجْدِيدِ السِّحْرِ، سِوَاءٌ كَانَ مَرْشُوشاً عَلَى الْعَتَبَاتِ أَوْ مَأْكُولاً فِي الْبُطُونِ، حَيْثُ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ الْعِلَاجَ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ اسْتِفْرَاغِ الْمَادَّةِ أَوْ تَنْظِيفِ الْمَكَانِ، وَلَكِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي غِمَارِ هَذِهِ الْعُلُومِ وَتَفْجِيرِ الْحُصُونِ السُّفْلِيَّةِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ الْعَارِضَ إِذَا وَجَدَ هَالَةَ الْمَرِيضِ مَفْتُوحَةً عَادَ لِتَجْدِيدِ نَفْثِهِ السَّامِّ، وَاللَّيْلَةَ أَفْتَحُ لَكُمْ بَاباً جَلِيلاً لِبِنَاءِ سُرَادِقٍ مَنِيعٍ يَكُونُ حِجَاباً حَاجِباً كَثِيفاً يَقْطَعُ دَابِرَ التَّجْدِيدِ النَّاتِجِ عَنِ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ وَيُعِيدُ لَطِيفَةَ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ لِلْجَسَدِ وَالْمَعَاشِ.
إِنَّ بِنَاءَ السُّرَادِقِ النُّورَانِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى فِرَازَةٍ دَقِيقَةٍ لِأَعْرَاضِ التَّجْدِيدِ، وَالَّتِي تَظْهَرُ غَالِباً فِي صُورَةِ أَحْلَامٍ مُزْعِجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ بِأَكْلِ أَطْعِمَةٍ غَرِيبَةٍ، أَوْ حُصُولِ انْقِبَاضٍ مُفَاجِئٍ فِي الصَّدْرِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ، أَوْ ظُهُورِ بُقَعٍ زَرْقَاءَ فَوْقَ الْجَسَدِ دُونَ سَبَبٍ بَدَنِيٍّ، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَثِيرَ الْمُحِيطَ بِالْمُصَابِ تَعَرَّضَ لِاخْتِرَاقٍ خَارِجِيٍّ، وَلِأَجْلِ غَلْقِ هَذَا الْمَنْفَذِ كُلِّيًّا بِقُوَّةِ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ، يَجْلِسُ الْمُصَابُ أَوْ يَقُومُ الرَّاقِي الْمُحْتَرِفُ بِوَضْعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى فَوْقَ الصَّدْرِ أَوْ نَاصِيَةِ الرَّأْسِ، وَيَبْدَأُ بِشَحْنِ الْهَالَةِ بِآيَاتِ الْحُرُوفِ النُّورَانِيَّةِ وَهِيَ الْمُقَطَّعَاتُ الشَّرِيفَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، مِثْلُ تِلَاوَةِ كهيعص وَ حم عسق ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَعَ تَدَبُّرِ أَسْرَارِهَا الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ طَبَائِعَ الْجِنِّ تَرْتَعِدُ وَتَخْضَعُ لِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثَلَاثاً لِتَكُونَ سِيَاجاً فَوْقِيًّا وَتَحْتِيًّا يَمْنَعُ ارْتِدَادَ الْأَذَى كُلِّيًّا.
وَلِقَطْعِ التَّجْدِيدِ السُّفْلِيِّ الْمَرْشُوشِ عَلَى الْعَتَبَاتِ وَالَّذِي يَجْلِبُ الْكَسَادَ النُّفُورَ لِلْمَالِ وَالْبَيْتِ، تَعْمَدُونَ إِلَى تَطْهِيرِ الْأَثِيرِ عَبْرَ إِحْضَارِ مَاءٍ طَاهِرٍ مَخْلُوطٍ بِالْمِلْحِ الصَّخْرِيِّ، وَتَقْرَؤُونَ عَلَيْهِ آيَاتِ إِبْطَالِ السِّحْرِ مِنْ سُوَرِ الْأَعْرَافِ وَيُونُسَ وَطَهَ، مَعَ تِكْرَارِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ثُمَّ يَنْطِقُ الرَّاقِي بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ لِيَتْلُوَ هَذَا الزَّجْرَ الْقَاصِمَ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً: أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ مَنْ جَدَّدَ أَمْراً أَوْ نَفَثَ فِي عُقْدَةٍ، حَجَبْتُ هَذَا الْجَسَدَ وَهَذِهِ الْعَتَبَةَ بِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، فَيُصْبِحُ الْمَكَانُ مَحْرُوساً بِحِرْسٍ شَرْعِيٍّ شَدِيدٍ تَتَكَسَّرُ عَلَيْهِ سِهَامُ السَّحَرَةِ وَتَبْطُلُ مَعَهُ خِيَانَاتُ طَوَارِقِ السُّوءِ.
أَبْنَائِي، لَا تَغْفَلُوا عَنْ حَقِيقَةِ أَنَّ بِنَاءَ السُّرَادِقِ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِالِاتِّبَاعِ وَتَحْصِينِ الْمَنَافِذِ الْبَاطِنِيَّةِ بِالتَّقْوَى وَالْإِخْلَاصِ، فَالْمُعَالِجُ الذَّكِيُّ هُوَ مَنْ يَأْمُرُ حَالَتَهُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى أذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَتِلَاوَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِنِيَّةِ عَقْدِ حِجَابٍ مَنِيعٍ كَثِيفٍ لَا يَخْتَرِقُهُ مَارِدٌ، لِيَبْقَى الْمَالُ وَالْبَيْتُ فِي حِفْظٍ أَبَدِيٍّ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي سَطَّرْتُهَا لَكُمْ فِي دِيوَانِ أَكَادِيمِيَّةِ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَاتْرُكُوا تُرَّهَاتِ مَنْ يَجْهَلُونَ عِلْمَ التَّشْخِيصِ وَفِرَازَةِ الْأَعْرَاضِ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالْأَثَرِ وَالتَّأْصِيلِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment