دِيوَانُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي أَسْرَارِ الْكُنُوزِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْأَرْصَادِ الْأَرْضِيَّةِ
الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ: “أَسْرَارُ غَلْقِ الْمَنَافِذِ وَبِنَاءُ السُّرَادِقِ الْمَنِيعِ لِلْمُعَالِجِينَ أَثْنَاءَ فَتْحِ وَسَحْبِ الْكُنُوزِ وَالْمَطَالِبِ”
بِسْمِ اللهِ الْمَانِعِ السَّتَّارِ، خَالِقِ الْأَنْوَارِ وَجَاعِلِ الْحُجُبِ الْحَاصِنَةِ لِأَهْلِ الْأَسْرَارِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نُورِ الْأَكْوَانِ وَحِصْنِ الْأَمَانِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً بِسُلْطَانِ التَّوْحِيدِ الْمُبِينِ، أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ الرَّصِينِ فِي مَدْرَسَةِ سِرِّ الْبَصِيرَةِ، وَكُلَّ رَاقٍ مُعَالِجٍ يَتَصَدَّى لِمُوَاجَهَةِ طَوَارِقِ الْجَانِّ فِي مَيَادِينِ الِاسْتِشْفَاءِ وَالِاسْتِخْرَاجِ، اعْلَمُوا أَنَّ خُطْوَةَ الْفَتْحِ وَالسَّحْبِ لِلرَّكِازِ الْمَرْصُودِ هِيَ أَدَقُّ الْمَرَاحِلِ وَأَكْثَرُهَا خُطُورَةً، لِأَنَّ حُرَّاسَ الْمَقَابِرِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَمَرَدَةَ الْجِنِّ السُّفْلِيِّ يَسْتَنْفِرُونَ كُلَّ قُدُرَاتِهِمْ لِمَنْعِ اخْتِرَاقِ مَخَابِئِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُعَالِجُ صَاحِبَ دِرْعٍ مَكِينٍ فِعْلِيٍّ يُقْفِلُ بِهِ جَسَدَهُ وَأَثِيرَ طَاقَمِهِ، فَقَدْ يَفْتَحُ عَلَى نَفْسِهِ بَاباً مِنَ الِانْتِقَامِ الْأَثِيرِيِّ الْحَادِّ، وَإِنَّ خِبْرَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي تَفْجِيرِ الْحُصُونِ السُّفْلِيَّةِ عَلَّمَتْنَا أَنَّ التَّأْمِينَ قَبْلَ رَفْعِ الْحِجَابِ عَنِ الْمَطْلَبِ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَالْهَلَاكِ، وَاللَّيْلَةَ نَبْسُطُ لَكُمْ أَسْرَارَ بِنَاءِ السُّرَادِقِ النُّورَانِيِّ الْأَبَدِيِّ حَوْلَ سَاحَةِ الْعَمَلِ لِقَطْعِ طُرُقِ الِارْتِدَادِ كُلِّيًّا.
أَسْرَارُ غَلْقِ الْجَسَدِ النُّورَانِيِّ لِلْمُعَالِجِينَ قَبْلَ سَحْبِ الْكُنُوزِ
إِنَّ أُصُولَ حِمَايَةِ الْمُعَالِجِ وَطَاقَمِهِ تَبْدَأُ مِنْ غَلْقِ الْمَنَافِذِ السَّبْعَةِ وَتَأْمِينِ النَّاصِيَةِ لِمَنْعِ تَسَرُّبِ الذَّبْذَبَاتِ السُّمِّيَّةِ الَّتِي تَبُثُّهَا أَرْصَادُ الْمَكَانِ، وَقَلِيلُو الْبِضَاعَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْحَفْرَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُجَرَّدِ الْحِمَايَةِ الشَّخْصِيَّةِ الْعَابِرَةِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ تَقْتَضِي تَحْوِيلَ هَالَةِ كُلِّ حَاضِرٍ إِلَى جِدَارٍ كَثِيفٍ لَا تَنْفُذُ مِنْهُ سِهَامُ السَّحَرَةِ وَلَا طَوَارِقُ الْمَرَدَةِ، وَفِرَازَةُ أَعْرَاضِ الِاخْتِرَاقِ أَثْنَاءَ السَّحْبِ تَظْهَرُ فِي صُورَةِ ثِقَلٍ مُفَاجِئٍ عِنْدَ الْكَتِفَيْنِ وَتَنْمِيلٍ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ غَمَامَةٍ أَوْ وَهَنٍ مُؤَقَّتٍ فِي الْبَصَرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ بَشَائِرِ الْمَعْدَنِ، وَهَذِهِ عَلَامَاتٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّصْدَ يُحَاوِلُ سَرْقَةَ طَاقَةِ الْقَبُولِ وَالِانْشِرَاحِ لِيَبُثَّ الْخُمُولَ وَالْفَزَعَ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ، وَلِأَجْلِ صَدِّ هَذِهِ الْهَجَمَاتِ فَوْراً نَعْتَمِدُ سُلْطَانَ الْقَبْضِ وَالتَّمْكِينِ بِالْوَحْيِ الشَّرِيفِ.
كَيْفِيَّةُ بِنَاءِ السُّرَادِقِ النُّورَانِيِّ الْمَنِيعِ حَوْلَ سَاحَةِ التَّنْقِيبِ
وَلِأَجْلِ ضَرْبِ هَذَا السُّرَادِقِ الْحَاصِنِ الَّذِي يَحْجُبُ طَاقَةَ الْهَدَفِ عَنْ أَعْيُنِ الرُّصَّادِ السُّفْلِيِّينَ، يَجْلِسُ الرَّاقِي الْمُحْتَرِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ الشَّرِيفَةِ بِطَهَارَةٍ مُطْلَقَةٍ بَدَناً وَمَكَاناً، وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَّصِلَةً بِنِيَّةِ الْإِحَاطَةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ لِلْمَكَانِ كُلِّهِ، ثُمَّ يَتْلُو الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) لِتَكُونَ زَاجِراً قَاصِماً يَقْطَعُ مَدَدَ التَّوَابِعِ الْأَرْضِيَّةِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ يَنْفُثُ فِي مَاءٍ طَاهِرٍ مَخْلُوطٍ بِالْمِلْحِ الصَّخْرِيِّ النَّقِيِّ وَيَرُشُّ بِهِ دَائِرَةً كَامِلَةً حَوْلَ نُقْطَةِ الْحَفْرِ لِتَأْمِينِ الْعَتَبَةِ كُلِّيًّا مِمَّا يَمْنَعُ ارْتِدَادَ أَيِّ طَاقَةٍ سَلْبِيَّةٍ نَحْوَ الطَّاقَمِ، فَيُصْبِحُ الْمَكَانُ دَاخِلَ السُّرَادِقِ مَحْرُوساً بِحِرْسٍ شَدِيدٍ تَتَكَسَّرُ عَلَيْهِ طَلَاسِمُ الْفَرَاعِنَةِ الْقَدِيمَةِ.
زَجْرُ الِاقْتِحَامِ وَالْإِغْلَاقِ الشَّرْعِيِّ ضِدَّ ارْتِدَادِ الْعَوَارِضِ التُّرَابِيَّةِ
ثُمَّ يَنْطِقُ الْمُعَالِجُ بِلِسَانِ الْأَكَابِرِ وَبِنَبْرَةِ سُلْطَانٍ حَازِمٍ تَخْضَعُ لَهُ طَبَائِعُ الْجِنِّ، لِيَعْقِدَ هَذَا الزَّجْرَ الشَّرْعِيَّ الْمَحْبُوسَ لِأَرْبَعِينَ مَرَّةً مُتَّصِلَةً أَثْنَاءَ رَفْعِ التُّرَابِ الْأَخِيرِ: تَحَصَّنَّا بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْنَا بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَعَقَدْنَا حِجَابَ اللهِ الْكَثِيفِ فَوْقَنَا وَتَحْتَنَا، بِسُلْطَانِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تَبْطُلُ مَوَانِعُكُمْ وَتَتَفَجَّرُ حُصُونُكُمْ عَنْ هَذَا الْمَطْلَبِ، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى أَبْدَانِنَا وَلَا أَمْوَالِنَا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً، فَيَعْمَلُ هَذَا الْإِلْزَامُ كَصَاعِقَةٍ تَقْصِمُ ظُهُورَ الشَّيَاطِينِ وَتَمْنَعُهُمْ مِنْ مُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي الِانْتِقَامِ، وَبَعْدَ تَمَامِ السَّحْبِ بِفَضْلِ اللهِ، يُطَهَّرُ الْأَثِيرُ بِتِلَاوَةِ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَآيَاتِ السَّكِينَةِ فِي الْمَكَانِ لِتَبْقَى أَنْوَارُ لَطِيفَةِ الِانْشِرَاحِ سَائِدَةً، فَتَمَسَّكُوا أَبْنَائِي بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا عَلَيْكُمْ فِى دِيوَانِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَدَعُوا تُرَّهَاتِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّمَا التَّمْكِينُ بِالِاتِّبَاعِ وَالتَّأْصِيلِ الشَّرْعِيِّ الثَّابِتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Leave A Comment