أذكار الطعام والشراب من السنة النبوية الصحيحة
الطعام والشراب من نعم الله العظيمة التي تتكرر في حياة الإنسان كل يوم، وقد علّمنا الإسلام كيف نشكر الله على هذه النعم، وكيف نذكره قبل تناول الطعام وبعده، مع الالتزام بآداب الأكل والشرب التي وردت في السنة النبوية. ومن هذه الآداب التسمية في بداية الطعام، والأكل باليمين، وحمد الله بعد الفراغ، والدعاء لمن قدم الطعام أو الشراب.
في هذا المقال نستعرض أذكار الطعام والشراب الواردة في السنة النبوية، مع توثيق مصادرها، وبيان ما يقوله المسلم إذا نسي التسمية، حتى يكون المقال مرجعًا عمليًا يسهل الرجوع إليه.
أولًا: ماذا يقول المسلم قبل الطعام؟
من السنة أن يذكر المسلم اسم الله قبل أن يبدأ الطعام، فيقول: «بِسْمِ اللَّهِ».
عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما أنه كان غلامًا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يده تطيش في الصحفة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». رواه البخاري ومسلم، ويمكن مراجعة الحديث في رياض الصالحين، حديث 727.
يوضح الحديث ثلاثة آداب أساسية: التسمية قبل الأكل، والأكل باليد اليمنى، والأكل مما يلي الإنسان في الإناء المشترك. وهي آداب بسيطة يستطيع المسلم تعليمها لأبنائه وتطبيقها في البيت والعمل وسائر الأماكن.
ولا يحتاج المسلم إلى صيغة طويلة قبل الطعام؛ فقول «بسم الله» هو الذكر الوارد، والمقصود أن يبدأ طعامه بذكر الله وشكره على رزقه.
ثانيًا: ماذا يقول المسلم إذا نسي التسمية في بداية الطعام؟
إذا بدأ المسلم الطعام ونسي أن يقول «بسم الله»، فإنه يقول عندما يتذكر: «بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ». رواه أبو داود والترمذي، وجاء في سنن ابن ماجه، حديث 3264، وحسنه محققو الكتاب.
هذا الذكر من التيسير الذي جاءت به السنة؛ فإذا نسي الإنسان التسمية ثم تذكر أثناء الطعام، فإنه يأتي بها عند تذكره، ولا يحتاج إلى ترك الطعام أو البدء من جديد. ومن المفيد تعليم الأطفال هذه الصيغة حتى يتعلموا كيفية التصرف عند النسيان.
ثالثًا: ماذا يقول المسلم بعد الانتهاء من الطعام؟
من أعظم صور شكر النعمة أن يحمد المسلم الله بعد أن يأكل أو يشرب. ومن الأذكار الواردة بعد الفراغ من الطعام أن يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، فالحمد اعتراف بأن النعمة من الله، وأنه سبحانه هو الرازق والمنعم.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». رواه مسلم، صحيح مسلم، حديث 2734.
يبين الحديث فضل حمد الله بعد الطعام والشراب، وأن شكر النعمة عبادة لا تحتاج إلى تكلف. فالمسلم يستطيع أن يحمد الله بعد وجبته، مستحضرًا أن الطعام الذي تناوله رزق من الله، وأن كثيرًا من الناس يفتقدون هذه النعمة.
ومن الأدعية الواردة بعد الطعام أن يقول المسلم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ». ورد هذا الدعاء في سنن أبي داود والترمذي، سنن أبي داود، حديث 4023، وحسنه بعض أهل العلم.
يجمع هذا الدعاء بين الحمد والاعتراف بفضل الله؛ فالإنسان قد يسعى ويعمل، لكنه لا يستقل بخلق الرزق أو ضمان وصوله إليه، وإنما يشكر الله على ما أنعم به عليه.
رابعًا: ذكر آخر ورد بعد الفراغ من الطعام
ورد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا». رواه البخاري، ويمكن مراجعة باب ما يقول إذا فرغ من طعامه في صحيح البخاري.
هذا من صيغ الحمد الواردة بعد الطعام، ويشتمل على الثناء على الله والإقرار بأن العباد لا يستغنون عن ربهم. ويمكن للمسلم أن يتعلم هذا الذكر إلى جانب حمد الله بعد الطعام، مع الحرص على ضبط ألفاظه من مصدر موثوق.
ولا يلزم أن يجمع المسلم كل صيغ الحمد بعد كل وجبة؛ فله أن يأتي بما تيسر من الأذكار الثابتة، والأهم أن يحمد الله ويشكره على نعمته.
خامسًا: آداب الشرب في السنة النبوية
لم تقتصر آداب الإسلام على الطعام، بل شملت الشراب أيضًا. ومن أهم الآداب الثابتة أن يشرب المسلم بيمينه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». رواه مسلم، صحيح مسلم، حديث 2020.
ومن الآداب كذلك حمد الله بعد الشرب؛ فقد جاء في الحديث السابق أن الله يرضى عن عبده إذا حمده بعد شربه. وهكذا يجمع المسلم بين الأدب العملي وشكر المنعم، سواء تناول ماءً أو غيره من المشروبات المباحة.
سادسًا: دعاء المسلم لمن قدم له الطعام أو الشراب
من حسن الخلق أن يدعو المسلم لمن أحسن إليه وقدم له الطعام أو الشراب. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن أطعمه بقوله: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ أَسْقَانِي». رواه مسلم، صحيح مسلم، حديث 2055.
يستطيع المسلم أن يدعو بهذا الدعاء عندما يقدم له شخص طعامًا أو شرابًا، وهو من صور الاعتراف بالفضل ورد الإحسان بالدعاء. كما يمكنه أن يشكر من أحسن إليه بكلمة طيبة، فشكر الناس على إحسانهم لا يتعارض مع شكر الله، بل يدخل في حسن الخلق.
سابعًا: أخطاء ينبغي الانتباه إليها في أذكار الطعام والشراب
من الأفضل عند تعلم أذكار الطعام والشراب مراعاة بعض الأمور:
- عدم نسبة دعاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون التحقق من مصدره ودرجة الحديث.
- عدم الاعتقاد بأن هناك صيغة واحدة طويلة يجب قولها في كل مرة؛ فقد وردت صيغ متعددة للحمد بعد الطعام.
- إذا نسي المسلم التسمية في بداية الطعام، فليقل عند تذكره: «بسم الله أوله وآخره».
- عدم تحويل الأذكار إلى مصدر للوسواس أو المشقة؛ فالسنة مبنية على اليسر، ويعمل المسلم بما يستطيع.
- تعليم الأطفال آداب الطعام برفق، مع شرح معاني التسمية والحمد والشكر بدل الاكتفاء بترديد الكلمات.
أسئلة شائعة حول أذكار الطعام والشراب
ما الذكر الذي يقال قبل الطعام؟
يقول المسلم: «بسم الله»، وقد ثبت ذلك في حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، الذي رواه البخاري ومسلم.
ماذا أقول إذا نسيت التسمية وبدأت الطعام؟
تقول عندما تتذكر: «بسم الله أوله وآخره»، كما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها.
ما أفضل ذكر بعد الطعام؟
من الأذكار الثابتة أن يقول المسلم: «الحمد لله»، وله أن يقول أيضًا: «الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة»، وهو دعاء وارد في كتب السنن.
هل يوجد ذكر خاص بعد شرب الماء؟
ثبت فضل حمد الله بعد الشرب عمومًا، كما ورد في صحيح مسلم أن الله يرضى عن عبده إذا حمده بعد شربه. ولا ينبغي تخصيص صيغة أو عدد معين بعد كل شربة دون دليل.
هل يجب قول جميع أدعية الطعام الواردة؟
لا، ليس مطلوبًا أن يقول المسلم جميع الصيغ في كل وجبة. يكفي أن يحرص على التسمية قبل الطعام، ويحمد الله بعده، ويلتزم بآداب الأكل والشرب، ويمكنه أن ينوع بين صيغ الحمد الثابتة.
خاتمة
أذكار الطعام والشراب تذكّر المسلم بأن النعم التي يتمتع بها كل يوم هي من فضل الله ورحمته. فمن السنة أن يبدأ طعامه بقول «بسم الله»، وأن يأكل بيمينه ومما يليه، وأن يحمد الله بعد الطعام والشراب. وإذا نسي التسمية، قال: «بسم الله أوله وآخره» عند تذكره. نسأل الله أن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن يجعلنا من عباده الشاكرين، وأن يديم علينا نعمة الطعام والشراب والعافية.
يسعدنا دائماً الإجابة على أسئلتكم وتقديم الدعم الشرعي المناسب. يمكنك التواصل معنا مباشرة وطرح استفسارك الآن.