الاستنزال النفسي: أسرار استنطاق قرين الشخص لمعرفة الماضي والحاضر
اعلم يا بني، كشف الله عن قلبك حجب الغفلة وأيدك بنور البصيرة النافذة، أن أدق أنواع الكشف وأقربها إلى الصدق هو ما خرج من مشكاة النفس الباطنة، والقرين هو الصاحب اللصيق الذي لا يخفى عليه من سر صاحبه نقير ولا قطمير. وصلى الله وسلم وبارك على صاحب المعراج والأنوار، من أسلم قرينه بنور المصطفوية والوقار، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الأطهار وصحابته الأخيار أوتاد الحكمة ومصابيح الدجى، صلاةً تفتح لنا بها مغاليق النفوس، وتدفع بها عن أفهامنا طوارق المكر واللبوس، وتؤيدنا بمدد التمكين بالحق. أما بعد؛ فإن سر الاستنزال النفسي وعلاقته بعوالم الممالك السفلية يرتكز بالأساس على ضبط ذبذبات القرين الأرضي الموكل بكل إنسان؛ فالقرين ذو طبيعة نارية هوائية ممتزجة بطين الجسد، واستنطاقه يحتاج إلى حكمة بالغة لتمييز كلامه الصادق عن تلاعبه وعوارضه المضللة.
إن الكثير من شيوخ التجارة والجهلاء يخلطون بين كشف القرين وبين الكشوفات العشوائية بواسطة عمار المكان، فيقعون في فخ الكذب وتزوير الأخبار التي تلقيها الشياطين، أما في ديواننا هذا فخذ سر الاستنطاق النفسي الصافي من الصدور.
طبيعة القرين الأرضي وحقيقة اتصاله بالأبعاد الباطنة
إن القرين يا ولدي هو الطاقة الروحية المصاحبة لكل جسد بشري منذ صرخة الولادة الأولى وحتى خروج الروح إلى بارئها. هذا القرين يعلم كل حركة وسكنة، ويحفظ تفاصيل الماضي والحاضر، بل ويمثل المرآة العاكسة لكل النحوسات أو الأسحار التي تصيب الهالة البشرية.
وعندما يستعين الحكيم بسر الاستنزال في ديوان الممالك السفلية، فإنه لا يخاطب روحاً غريبة عن الشخص، بل يفتح قناة طاقية مباشرة مع قرين الشخص المراد كشفه. ومن أسرار القرناء التي حجبها القوم عن الأوراق أن القرين لا يخضع بالزجر الخشن، بل يخضع بالموازنة الحرفية وتلاوة الأسماء اللطيفة التي تلجم طبع الاندفاع الناري فيه، وتجبره على النطق بالحق دون مراوغة أو إخفاء للمستور.
أسرار عقد الاستنزال النفسي واستنطاق القرين بالحق
إذا ورد عليك سائل يشتكي من علة غامضة، أو أردت معرفة ماضي وحاضر حالة مستعصية دون أن تنطق بكلمة، وترقبت الساعة الروحانية المناسبة، فعليك باتباع هذه الأصول الصدرية المكتوبة بخطنا الواضح الكبير:
أولاً: كتابة حجاب الاستنزال وعقد الأثر، تأخذ قطعة من ثوب الشخص المراد كشفه (أثره) بشرط أن تكون حامله لرائحته وطاقته، وتكتب عليها بالمداد الروحاني السباعي أحرف اسم الشخص مفرقة مع أحرف كوكب الساعة، وتضع الأثر تحت وعاء الكشف المائي الصافي.
ثانياً: إطلاق بخور المزج النفسي، وهو السر في تهدئة ثورة القرين وجذبه للمجلس، حيث تخلط اللبان الذكر الخالص مع مسحوق السندروس النقي وقطرات من دهن العود العتيق، فإن هذا الدخان يفرز ذبذبات تتوافق مع الطبيعة الهوائية للقرين وتجعله مستعداً للاستماع والإجابة.
ثالثاً: التلاوة بنبرة الهمس النفسي العتيق، تجلس في خلوتك مطفئ الأنوار إلا من شمعة روحانية صفراء، وتبدأ بتلاوة قسم الاستنزال النفسي بصوت منخفض خاشع، كأنك تخاطب عقل الشخص الباطن، وتكرر أسماء الحصر واللجم حتى تتلقى إشارات الحضور الصادقة.
رابعاً: توجيه الأسئلة بميزان التدقيق، عندما تشعر باستجابة القرين، لا تطرح أسئلة عشوائية أو تافهة، بل اسأله مباشرة بالصيغة: “أيها الصاحب اللصيق بحق العهد القديم أخبرني عن علة جسد فلان وما أصابه في حاضره”، وتستمع بوعيك الروحي للجواب الساري.
علامات النطق النفسي الصادق وانفتاح حجب القرين
يا طالب العلم، إن استنطاق القرين في قصر الاستنزال له علامات باطنة تظهر للمجرب الحاذق في خلوته تنبئ بأن قرين الشخص قد خضع للإشارة وبدأ في بث الأخبار الصحيحة، فلاحظ الآتي وتدبره بثبات:
العلامة الأولى: حدوث رفة أو ارتعاش خفيف ومستمر في سبابة كفك اليسرى أو في جفن عينك اليمنى، يتبعها شعور ببرودة مفاجئة تسري في يدك التي تمسك بأثر الشخص، وتلك علامة الامتزاج الطاقي بينك وبينه.
العلامة الثانية: رؤية خيال متحرك وظل دقيق للشخص المعني يرتسم على الحائط المقابل لك، وتلاحظ أن لهب الشمعة الروحانية قد بدأ بالتموج السريع الخفيف كأنه يتأثر بأنفاس خفية تطوف في الغرفة.
العلامة الثالثة: ورود الخواطر والأخبار في ذهنك كشريط سينمائي متصل، فترى الأماكن التي زارها الشخص والعلل التي أصابته والسحر الذي صُنع له بوضوح تام في قلبك، وتلك علامة النطق الصافي للقرين في ديوان الغيب الأرضي.
احفظ يا ولدي هذا المقال التاسع عشر، واعلم أن علم الاستنزال النفسي هو ميزان الحكماء لتشخيص الأمراض الروحية قبل البدء في العلاج؛ فالطبيب الحاذق لا يصف الدواء إلا بعد معرفة الداء، وصن هذا السر عن العابثين والفضوليين تنل الرفعة والتمكين بالحق في كل مقام ومقال.