القصر القمري الثاني: أسرار الملك المرة وتصاريف القبول والمحبة الشريفة
اعلم يا بني، نضر الله وجهك بنور الطاعة، أن الانتقال من حرارة الشمس إلى رطوبة القمر يحتاج منك إلى مرونة في الحس وتحول في الفهم؛ فالقمر هو مرآة الأرض، وسكانه يمتازون بالسرعة والتبدل الجاذب للقلوب. وصلى الله وسلم وبارك على البدر التام، والنور المستدام، سيدنا محمد الذي انشق له القمر إعجازاً وتكريماً، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، صلاةً تفيض بها نفوسنا بالمحبة والوداد، وتحجب عنا عوارض البغضاء والعناد. أما بعد؛ فإن حديثنا اليوم يطوف بنا حول القصر الثاني من قلاع الممالك السفلية، وهو قصر يوم الإثنين الموكل بحاكمه الأرضي الملك المُرّة، الملك الذي يملك ناصية القبول، وجلب القلوب، وعطف الأرواح بالحق والسكينة الروحانية.
إن الجاهل بهذا الباب يظن أن تصاريف المحبة والقبول تصنع بالدماء أو النجاسات، وهذا والله هو الكفر الصراح والجهل العظيم، بل إن محبة المرة الشريفة تقوم على طهارة السريرة وموازنة الرطوبة القمرية في هالة الطالب.
طبيعة الملك المرة وموقعه في دائرة الفلك الأرضي
يتلقى الملك المرة أوامره الروحانية العلوية من الملاك جبرائيل عليه السلام، وطبيعته مائية قمرية باردة ورطبة، وهي الطبيعة التي تنفذ إلى النفوس والقلوب بسلاسة وسرعة كالماء الساري في عروق الشجر. يختص هذا الملك وجنوده بتصاريف الألفة، والقبول، وجلب القائب، وتيسير التجارة بين الناس، وعلاج أسقام العقم الناتجة عن اليبوسة الحارة وتطهير الأجساد من النحوسات الشديدة.
يومه الروحاني هو يوم الإثنين، وساعته الأولى بعد شروق الشمس هي الساعة المباركة التي يثبت فيها حجابه الأرضي، ويكون لونه المفضل هو اللون الأبيض الفضي أو الأخضر الفاتح كأوراق الزيتون، وهي الألوان التي تعكس نور القمر وتجذب العشائر المائية طائعة طيعة.
أسرار كتابة طلاسم القبول والمحبة الشريفة للمرة
لكي تصرف طاقة هذا القصر في جلب القبول الشريف وإصلاح ذات البين يا ولدي، لا بد أن تتبع القواعد الصدرية المكتوبة بخطنا الواضح الكبير:
أولاً: نوع الورق والمداد، حيث يُكتب طلسم يوم الإثنين على ورق كاغد أبيض صقيل، أو على رق غزال طاهر، ويستخدم في كتابته المداد الروحاني السباعي الذي غلبت عليه نسبة ماء الورد والزعفران الخالص دون الألوان الحارة.
ثانياً: البخور القمري البارد، فلا تطلق في خلوتك أثناء التلاوة سوى اللبان الذكر الممزوج بالمسك الأبيض البودرة والمصطكى، وتتجنب تماماً البخورات المرة أو الحارة الحادّة لأنها تفسد رطوبة القمر الطاردة للنفور.
ثالثاً: وقت التصريف والكتابة، ويكون في الساعة الأولى من يوم الإثنين، أو في الساعة الروحانية المخصصة للقمر في ليلته، بشرط أن يكون القمر زائداً في النور (في النصف الأول من الشهر العربي) لزيادة طاقة النمو والقبول.
رابعاً: العزيمة القمرية، وتتلى بصوت رخيم منساب، فيه سكينة ووقار، يشبه ترتيل العارفين في خلواتهم، مكرراً القسم بالعدد الذي يوافق اسم الطالب واسم من يراد إصلاحه بالحق والشرع الشريف.
علامات استجابة الملك المرة وفك رموز القبول
يا طالب العلم، إن العشائر المائية التابعة لقصر الملك المرة لا تحدث جلبة أو أصواتاً مفزعة كالناريين، بل تأتي علامات حضورهم واستجابتهم في غاية اللطف والهدوء، ومن أهم ما تلاحظه في خلوتك المباركة:
العلامة الأولى: هبوب النسمات الباردة، فتشعر فجأة بريح باردة ورطبة تطوف في أرجاء المكان، على الرغم من إغلاق النوافذ والأبواب لإحكام الخلوة.
العلامة الثانية: انبعاث رائحة عطرية طيبة تشبه رائحة المطر على الأرض الجافة، أو رائحة الورد الجوري الفاخر، وتظل هذه الرائحة عالقة في ثيابك لأيام بعد خروجك من الرياضة.
العلامة الثالثة: رؤية خيالات بيضاء خفيفة كالغمام تمر بجانب جدار الخلوة، يتبعها توهج لطيف في فتيل الشمعة الروحانية يميل لونه إلى البياض الناصع.
فإذا لاحت لك هذه الحجب يا ولدي، فاعلم أن عملك قد قُبل، وأن الخدام قد أخذوا طلسمك وعزيمتك بالامتثال، وسيسري سر هذا القبول في وجهك كالشمس المشرقة، ويهابك كل من رآك من الخلائق بالود والاحترام. احفظ هذه الأسرار، واعلم أنني ما وضعتها لك إلا لتكون حصناً للمظلومين ومصلحاً بين القلوب، فلا تستخدمها في معصية الخالق فتسلب منك الإشارة وتعمى بصيرتك.