شيخ الإسلام ابن تيمية
يُعد شيخ الإسلام ابن تيمية من أبرز علماء أهل السنة والجماعة الذين اتسمت مصنفاتهم بالدقة العلمية والقدرة الفائقة على محاكمة العلوم العقلية والنظرية بميزان الشرع المطهر. ورغم محاولات بعض الروحانيين والباطنيين عبر التاريخ التمسك ببعض العبارات التراثية المجملة لإضفاء شرعية على استخدام الجداول الرقمية والطلاسم الحرفية، فإن استقراء النتاج العلمي لابن تيمية يكشف عن رؤية حازمة تفكك هذه الشبهات، وتعيد علم الحساب إلى إطاره الطبيعي النافع وتطهر العقيدة من شوائب الدجل.
النظرة التيمية لعلم الحساب المجرد
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن علم الحساب في أصله هو علم عقلي دنيوي يقوم على البرهان والاستدلال، وهو من العلوم التي تحتاجها الأمة في تنظيم معاشها وقسمة مواريثها ومعاملاتها التجارية. فالأرقام عنده هي علامات دالة على مقادير ومعدودات حقيقية موجودة في الأعيان، وليست لها قوى غيبية كامنة تؤثر في الكون بذاتها.
بناءً على هذا، فإن التناظر العددي والتوازن الحسابي في المصفوفات والجداول هو مجرد خواص رياضية تتبع نظام العد الإلهي الذي أتقن الله به خلق الكون. ولم يكن ابن تيمية يمنع مطلقاً التبحر في دقائق الحساب والجبر ما دام مقتصراً على المعارف الذهنية والفوائد العلمية النافعة، بل كان يرى في إتقان هذه العلوم سداً لحاجات المسلمين الدنيوية وإظهاراً لقوة العقل المسلم في استيعاب القوانين الكونية.
تفكيك شبهة “أسرار الحروف والأرقام”
ترتكز الشبهة الكبرى لدى أصحاب الاتجاهات الباطنية على ادعاء أن للحروف والأرقام “طبائع” (نارية، ترابية، هوائية، مائية) وأن خلطها في الأوفاق يولد طاقات تؤثر في العالم المادي. وقد تصدى ابن تيمية في مواضع شتى من فتاواه، خاصة في انتقاده للفلسفات اليونانية والفيثاغورية، لتفنيد هذا المعتقد الباطل.
وأوضح شيخ الإسلام أن الحروف هي أصوات مقطعة تدل على معانٍ وضعية اصطلح عليها البشر للتواصل، والأرقام هي رموز اصطلاحية لضبط المقادير، وبالتالي فإن هذه الحروف والأرقام جمادات لا حياة فيها ولا نطق لها، ولا تملك في ذاتها أي خاصية فاعلة تؤثر في جلب نفع أو دفع ضر. وبيّن أن اعتقاد التأثير في هذه الرموز هو امتداد لعقائد الصابئة والفلاسفة الأقدمين الذين عبدوا الكواكب وعظموا الأشكال الهندسية، وهو عين الضلال الذي جاء الإسلام بهدمه وتطهير العقول منه.
الميزان الشرعي لحساب الجُمَّل والطلاسم
فصل ابن تيمية بشكل دقيق بين استخدامين متناقضين لنظام تحويل الحروف إلى أرقام (حساب الجمل)؛ فالاستخدام الأول هو ما جرت به عادة العرب في ضبط التواريخ أو ترتيب المواد وتدوين الشعر، وهو استخدام اصطلاحي مباح لا حرج فيه لأنه لا يتضمن اعتقاداً غيبياً.
أما الاستخدام الثاني، وهو ما يعمد إليه الروحانيون والمشعوذون من إسقاط الأرقام المستخرجة من أسماء معينة داخل مربعات الأوفاق بدعوى استنزال قوى غيبية أو مخاطبة روحانيات الحروف، فقد نص شيخ الإسلام على تحريمه وبطلانه. واعتبر هذا المسلك نوعاً من السحر المحرم والاستعانة المبطنة بالجن والشياطين، حيث يتخذ المشعوذون من التوازن الرقمي غطاءً علمياً موهماً يمررون من خلاله طلاسمهم على العوام الذين ينخدعون بالمظهر الحسابي المنظم للجدول دون إدراك حقيقته الشركية.
الخلاصة
إن ميزان ابن تيمية في التعامل مع علم الحساب والحروف يمثل ذروة الانضباط الفكري لأهل السنة والجماعة. فهو يرحب بالعلم الرياضي المجرد والمصفوفات الحسابية باعتبارها أدوات عقلية نافعة، وفي الوقت ذاته يضرب بيد من حديد على الأوهام الباطنية التي تحاول تحويل لغة الأرقام إلى شفرات سحرية وطلاسم شركية. ومن خلال فك هذه الشبهات، يتضح للباحث المعاصر أن تطهير علم الأوفاق من الدجل ليس مجرد خيار علمي، بل هو ضرورة عقدية لحفظ التوحيد واستقامة التفكير.
يسعدنا دائماً الإجابة على أسئلتكم وتقديم الدعم الشرعي المناسب. يمكنك التواصل معنا مباشرة وطرح استفسارك الآن.