دعاء دخول الصلاة والاستفتاح من السنة النبوية الصحيحة
مقدمة
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي صلة بين العبد وربه، يقف فيها المسلم خاشعًا بين يدي الله تعالى، راجيًا رحمته ومغفرته. وقد علّمنا النبي ﷺ كيفية الصلاة وأذكارها، ومن ذلك ما يُقال في بدايتها بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة سورة الفاتحة، وهو ما يُعرف بدعاء الاستفتاح. وفي هذا المقال نتعرف على معنى تكبيرة الإحرام، وأشهر صيغ الاستفتاح الثابتة في السنة النبوية، مع مصادر الأحاديث وبيان معاني الأدعية.
أولًا: ماذا يقول المسلم عند بدء الصلاة؟
يبدأ المسلم الصلاة بتكبيرة الإحرام، فيقول:
اللَّهُ أَكْبَرُ.
وتكبيرة الإحرام هي التكبيرة التي يدخل بها المصلي في الصلاة. وبعدها يقول دعاء الاستفتاح إن شاء، ثم يستعيذ بالله ويقرأ الفاتحة. ودعاء الاستفتاح ليس هو تكبيرة الإحرام، بل هو ذكر يُقال بعدها وقبل القراءة، وقد ثبتت عن النبي ﷺ صيغ متعددة صحيحة له.
ثانيًا: دعاء الاستفتاح الأول من صحيح البخاري ومسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ عما يقوله في سكتته بين التكبير والقراءة، فقال النبي ﷺ:
اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 744، وهو حديث صحيح.
معنى الدعاء: يسأل المسلم ربّه أن يباعد بينه وبين الذنوب، كما تفصل المسافة بين المشرق والمغرب، وأن يطهّره من الخطايا كما يُنظَّف الثوب الأبيض من الأوساخ، وأن يغسل عنه ذنوبه ويطهّره منها. وهو دعاء عظيم يذكّر المصلي بحاجته إلى مغفرة الله وطهارة القلب.
ثالثًا: دعاء الاستفتاح الثاني: «سبحانك اللهم وبحمدك»
ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يجهر بهذه الكلمات في افتتاح الصلاة:
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
ورد أثر عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم، حديث رقم 399، وهو أثر صحيح عن عمر. وهذه الصيغة معروفة عند أهل العلم في دعاء الاستفتاح.
ومعنى الدعاء: تنزيه الله تعالى عن كل نقص، وحمده والثناء عليه، والإقرار ببركة اسمه وعظمة شأنه، وأنه لا معبود بحق سواه. وهي صيغة موجزة تجمع بين التسبيح والحمد والتوحيد.
رابعًا: دعاء «وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض»
ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعاء افتتاح صلاة الليل:
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ…
ثم يواصل الحديث بدعاء طويل يتضمن تمجيد الله، والاعتراف بالتقصير، وسؤاله المغفرة والهداية. رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 771.
وهذه الصيغة طويلة، وقد وردت في سياق دعاء النبي ﷺ عند قيامه إلى صلاة الليل؛ لذلك ينبغي بيان هذا السياق عند ذكرها، وعدم افتراض أن جميع ألفاظها كانت تُقال في كل صلاة مفروضة. وهي تشتمل على معانٍ عظيمة، منها إخلاص الصلاة والحياة والممات لله وحده، وإعلان التوحيد والبراءة من الشرك.
خامسًا: هل يجب قول دعاء الاستفتاح في كل صلاة؟
دعاء الاستفتاح سنة عند جمهور العلماء، وليس ركنًا من أركان الصلاة. فمن قاله نال أجر اتباع السنة، ومن تركه فصلاته صحيحة ولا يلزمه سجود السهو لمجرد تركه. ومن الأفضل للمسلم أن يتعلم صيغة صحيحة ويحافظ عليها، ويمكنه أحيانًا أن يأتي بصيغة أخرى ثابتة، بدل اعتقاد أن صيغة واحدة بعينها واجبة في جميع الصلوات.
ويقال دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام في بداية الصلاة، لا بعد قراءة الفاتحة ولا عند كل ركعة. أما إذا أدرك المصلي الإمام راكعًا أو دخل الصلاة في موضع لا يتسع للاستفتاح، فإنه يتابع الإمام ولا ينشغل بدعاء الاستفتاح عن إدراك الركعة.
سادسًا: ما الترتيب بعد تكبيرة الإحرام؟
الترتيب المعروف في الصلاة أن يقول المصلي «الله أكبر» تكبيرة الإحرام، ثم يأتي بدعاء الاستفتاح إن اختاره، ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ الفاتحة. وفي الصلاة الجهرية يراعي المأموم أحكام متابعة الإمام والإنصات بحسب ما قرره أهل العلم في المسألة.
ومن المهم ألا يخلط المسلم بين دعاء الاستفتاح والتعوذ أو البسملة أو قراءة الفاتحة؛ فلكل منها موضعه. كما لا ينبغي أن يعتقد أن دعاءً معينًا لا تصح الصلاة إلا به، لأن الاستفتاح سنة وليس شرطًا لصحة الصلاة.
خاتمة
دعاء الاستفتاح من السنن النبوية التي تهيئ قلب المسلم للوقوف بين يدي الله تعالى، وتجمع معاني التوحيد والحمد والتوبة وطلب المغفرة. وقد ثبتت عن النبي ﷺ صيغ متعددة صحيحة، منها «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، كما وردت صيغ أخرى في آثار صحيحة عن الصحابة وفي سياقات مخصوصة. فلنتعلم ما صح من السنة، ونحافظ على الصلاة بخشوع وطمأنينة، ونسأل الله أن يتقبل صلاتنا وسائر أعمالنا.
يسعدنا دائماً الإجابة على أسئلتكم وتقديم الدعم الشرعي المناسب. يمكنك التواصل معنا مباشرة وطرح استفسارك الآن.