دعاء الوضوء والأذكار الواردة بعده من السنة النبوية الصحيحة
مقدمة
الوضوء من أعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، فهو شرط لصحة الصلاة، ووسيلة للطهارة الحسية والعبادة. وقد بيّن النبي ﷺ كيفية الوضوء، وأرشد إلى ذكر يُقال بعد الفراغ منه، حتى يجمع المسلم بين طهارة البدن وذكر الله بالقلب واللسان. وفي هذا المقال نتعرف على ما يقال قبل الوضوء وبعده، مع توثيق الأحاديث والتنبيه إلى الأدعية التي اشتهرت بين الناس دون ثبوت صحيح.
أولًا: ماذا يقول المسلم قبل الوضوء؟
يبدأ المسلم وضوءه بالتسمية، فيقول:
بِسْمِ اللَّهِ.
وقد ورد حديث في التسمية عند الوضوء عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ»، رواه أبو داود في سننه، حديث رقم 101. وقد صححه بعض أهل العلم، وضعّفه آخرون؛ لذلك ينبغي بيان الخلاف في درجته، مع استحباب التسمية قبل الوضوء عند جمهور العلماء. وإذا نسي المسلم التسمية فلا ينبغي له أن يترك الوضوء أو يظن أن وضوءه باطل حتمًا؛ فالمسألة فيها تفصيل وخلاف فقهي.
ولا يُعرف دعاء طويل ثابت يجب قوله قبل الوضوء؛ فالتسمية هي الذكر المشهور في هذا الموضع، ويشرع للمسلم أن يبدأ وضوءه بنية الطهارة امتثالًا لأمر الله، من غير أن يتكلف ألفاظًا لم تثبت.
ثانيًا: كيفية الوضوء على هدي النبي ﷺ
من أراد الوضوء للصلاة فليحرص على إتمام أعضائه على الوجه المشروع، مع مراعاة الترتيب الوارد في صفة وضوء النبي ﷺ. وقد روى عثمان بن عفان رضي الله عنه صفة وضوء النبي ﷺ، ثم ذكر أن النبي ﷺ قال إن من توضأ نحو وضوئه ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه. والحديث في صحيح مسلم، رقم 226.
وتشمل صفة الوضوء غسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، مع تعميم الأعضاء الواجبة بالماء. ويكفي المسلم أن يتعلم الصفة الصحيحة ويطبقها من غير إسراف في الماء أو وسوسة في عدد الغسلات.
ثالثًا: الذكر الصحيح بعد الفراغ من الوضوء
من أهم الأذكار التي ثبتت عن النبي ﷺ بعد الوضوء أن يقول المسلم:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ ـ أَوْ فَيُسْبِغُ ـ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 234.
وفي رواية أخرى عند مسلم وردت زيادة «وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» بعد الشهادة الأولى. ويستحب للمسلم أن يحافظ على هذا الذكر بعد إتمام وضوئه، مستحضرًا معنى التوحيد وشهادته برسالة النبي ﷺ.
رابعًا: هل يقال بعد الوضوء «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»؟
تشتهر بين المسلمين صيغة تجمع الشهادتين مع الدعاء: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ». وقد وردت هذه الزيادة في حديث رواه الترمذي، حديث رقم 55، لكن الترمذي نفسه بيّن أن في إسناد الحديث اضطرابًا، وأنه لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء كبير. ولذلك فالأحوط عند إعداد الأذكار المنسوبة إلى السنة الصحيحة أن يُقدَّم الذكر الثابت في صحيح مسلم، وأن يُبيَّن ضعف الرواية التي تضيف هذا الدعاء بدل عرضها على أنها ثابتة بالدرجة نفسها.
ومع ذلك، فإن الدعاء بأن يجعل الله المسلم من التوابين والمتطهرين دعاء حسن في معناه، ويمكن للمسلم أن يدعو به عمومًا، لكن لا ينبغي الجزم بأن هذه الزيادة سنة صحيحة مخصوصة بعد الوضوء من غير بيان درجتها.
خامسًا: هل توجد أدعية مخصوصة لكل عضو من أعضاء الوضوء؟
تنتشر بعض الصيغ التي تخصص دعاء عند غسل الوجه، وآخر عند غسل اليد اليمنى أو اليسرى، وثالثًا عند مسح الرأس أو غسل القدمين. لكن هذه الأدعية لا تثبت بأسانيد صحيحة عن النبي ﷺ على أنها أذكار مخصوصة لكل عضو. لذلك لا ينبغي نشرها باعتبارها سنة نبوية ثابتة، ولا اعتقاد أن الوضوء لا يكتمل إلا بترديدها.
والأصل أن يشتغل المسلم بصفة الوضوء الثابتة، ويقول التسمية عند البدء، ثم يحافظ على الذكر الوارد بعد الفراغ منه. أما الدعاء العام بما شاء من الخير، من غير تخصيص صيغة أو وقت أو عضو بفضل غير ثابت، فبابه أوسع.
سادسًا: فضل إتمام الوضوء والمحافظة عليه
وردت أحاديث صحيحة في فضل الوضوء وإسباغه، وأن خطايا المسلم تخرج مع ماء الوضوء. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ ـ أَوِ الْمُؤْمِنُ ـ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ»، ثم ذكر بقية الأعضاء، حتى يخرج المسلم نقيًا من الذنوب. رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 244.
ومن تمام العناية بالوضوء أن يسبغ المسلم الطهارة على أعضائه، ويتجنب الإسراف في الماء، وألا يجعل الشكوك والوساوس سببًا لتكرار الوضوء بلا حاجة. وإذا فرغ منه حافظ على الذكر الثابت، واستعد للصلاة بخشوع وطمأنينة.
خاتمة
إن دعاء الوضوء والأذكار الواردة بعده من السنن التي يسهل على المسلم المحافظة عليها كل يوم. يبدأ بالتسمية، ويتوضأ على الصفة المشروعة، ثم يقول بعد الفراغ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». ومن المهم التمييز بين الأذكار الصحيحة والروايات التي اختلف العلماء في درجتها، حتى نحافظ على السنة كما وردت. نسأل الله أن يرزقنا الطهارة الظاهرة والباطنة، وأن يجعلنا من عباده المتقين.
يسعدنا دائماً الإجابة على أسئلتكم وتقديم الدعم الشرعي المناسب. يمكنك التواصل معنا مباشرة وطرح استفسارك الآن.