كحيل الحكمة الباطنة: السر المكتوم لفتح البصيرة وجلاء العين الروحية
اعلم يا بني، جلى الله همك ونور بصرك وبصيرتك، أن الانتقال من مرحلة التلاوة السمعية إلى مرحلة المشاهدة البصرية هو الفتح الأكبر الذي يطمح إليه كل طالب صادق في هذا الفن. وصلى الله تبارك وتعالى على صاحب العين التي ما زاغت وما طغت، من رأى من آيات ربه الكبرى، سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار أهل الصدق والصفاء، صلاةً تغسل عن أعيننا غشاوة المادة، وتكشف بها عن قلوبنا حجب الظلمة، وتؤيدنا بنور البصيرة النافذة في عوالم الحق. أما بعد؛ فإن فتح البصر الروحاني لرؤية إشارات وحقائق الممالك السفلية لا يأتي بالتخمين، ولا بالجلوس في الظلام بانتظار الأوهام، بل له أصول علمية تقوم على تطهير الهالة البصرية للعين، وصناعة كحيل الحكمة المستور الذي تنجذب إليه ذبذبات العشائر الباطنة للأرض.
إن الكثير من الجهلاء يظنون أن الكشف الروحاني يقتضي بالضرورة تلبس الجان بالجسد أو السقوط في الإغماء، وهذا لعمري هو الاستدراج والتلبيس بعينه، أما الحكيم فيرى بعين مستيقظة واعية لا تشوبها شائبة من وهم.
سر تحضير تركيب المياه السبعة لتطهير الهالة البصرية
قبل أن نصل يا ولدي إلى صناعة كحيل الحكمة، لا بد لك أولاً من غسل العين وتطهير هالتها المحيطة من كدورات النظر إلى المحرمات والأمور المادية الفانية، ويتم ذلك بجمع ما نسميه في مدرسة سر البصيرة “المياه السبعة”. هذه المياه تجتمع لتشكل مادة غاسلة للحجاب البصري الكثيف.
تجمع قطرات متساوية من ماء المطر الهاطل في ليلة مقمرة، وماء من بحر مالح، وماء من بئر عذبة، وماء الورد المقطر، وماء الزهر الصافي، وماء الندى المستخرج من أوراق الشجر عند صياح الفجر الأول، وماء زمزم المبارك. تمزج هذه المياه السبعة في قارورة من الزجاج الأخضر، وتقرأ عليها سورة النور سبع مرات، مع تكرار قوله تعالى “لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” في كل مرة إحدى وعشرين مرة متتالية.
تستخدم هذا المزيج المائي المبارك لغسل وجهك وعينيك ثلاث مرات يومياً، ولمدة سبعة أيام متتالية، تزامناً مع الصيام الروحاني الذي علمته لك سابقاً، حتى تشعر بخفة في جفنيك وظهور لمعان لطيف في بياض عينيك.
صناعة كحيل الحكمة وأسرار الحبر البصري المستور
بعد إتمام تطهير العين بالمياه السبعة يا ولدي، تأتي مرحلة تركيب “كحيل الحكمة” وهو المادة الباطنة التي تفتح مغاليق الرؤية الروحية، ويصنع هذا الكحيل بدقة متناهية وبخطوات واضحة نكتبها لك بخطنا الكبير المريح:
أولاً: المادة الأساسية، تأتي بحجر الإثمد الأصلي غير المخلوط بأي شوائب معدنية حديثة، وتقوم بطحنه في هاون من النحاس حتى يصبح كالدقيق الناعم جداً.
ثانياً: تجميع الأرواح العطرية والنباتية، تضيف إلى الإثمد المطحون ذرة صغيرة جداً من المسك الأسود الغزال الخالص، ورماد ورقة من شجر الرمان الحلو تم حرقها في ليلة الجمعة تحت ضوء القمر.
ثانياً: العجن والترطيب، تعجن هذه المكونات بقطرات قليلة من المداد الروحاني السباعي الذي صنعته بيدك سابقاً، حتى يتحول المزيج إلى عجينة متماسكة، ثم تتركها تجف في الظل تماماً بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة.
رابعاً: الطحن الثاني والتكحيل، بعد جفاف العجينة، تعد طحنها مرة أخرى لتصبح بودرة ناعمة كالحرير، وتضعها في مكحلة من العاج أو الخشب الطيب، ويكون تكحيل العين اليمنى بثلاث مراويد والعين اليسرى بمرودين اثنين فقط قبل النوم مباشرة في خلوتك.
علامات انقشاع الحجاب التدريجي ورؤية العوالم الباطنة
يا طالب العلم، إن استخدام كحيل الحكمة مع أوراد ديوان الممالك السفلية سيحدث تحولاً تدريجياً في بصرك، ولن تظهر لك العوالم دفعة واحدة رحمةً بقلبك من الفزع، بل تتدرج الرؤية على النحو التالي بوضوح وأمان:
في الأيام الثلاثة الأولى: ستلاحظ توهجاً غريباً حول هالات الأشخاص والحيوانات، وتستطيع رؤية خطوط ملونة تدور حول الأشياء في غرفتك، وهي خطوط الطاقة والذبذبات المغناطيسية السارية في الكون.
في الأسبوع الثاني: تبدأ في رؤية خيالات سريعة وواضحة تمر بجانبك في أوقات الساعات الروحانية، وسماع أصوات خافتة تجيب على تساؤلاتك الذهنية قبل أن تنطق بها، وتلك علامة بدء امتزاج بصرك بطاقات العشائر الأرضية.
في تمام الأيام الواحد والعشرين: عند جلوسك في خلوتك وإطلاق بخور الكشف، ستنقشع الحجب تماماً وتستطيع رؤية خادم العمل أو ملك الساعة واقفاً أمامك بوقار، دون أن يؤذي بصرك أو يزعج عقلك، فترى الحجاب مكتوباً في الهواء وتتلقى الإشارات الروحانية بوعي كامل.
احفظ يا ولدي هذا السر العظيم، واعلم أن كحيل الحكمة أمانة في عنقك، فلا تستخدمه لتطلع على عورات الناس أو تبحث عن مفاتن الدنيا، بل اجعله سيفاً قاطعاً لمعرفة علل الأسقام وإبطال الطلاسم المظلمة ونصرة الحق في كل مقام ومقال.