أسرار الصيام الروحاني: كيفية حبس طاقة الجسد لطرد العوارض المظلمة
اعلم يا بني، ثبت الله ناصيتك بنور التقوى والصفاء، أن الجسد البشري هو الوعاء الذي تحل فيه طاقة الحكمة، وإن تلوّث هذا الوعاء بالأخلاط الثقيلة حجب عنك أنوار الكشف وحال بينك وبين التصريف النافذ. وصلى الله وسلم وبارك على إمام المتبتلين، وسيد الزاهدين، من كان يصوم حتى تلتصق طاقته بالملكوت، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الأبرار، صلاةً تزكي بها نفوسنا، وتطهر بها أجسادنا من العوارض، وتمنحنا بها قوة الثبات والتمكين بالحق. أما بعد؛ فإن سر الصيام الروحاني وعلاقته برياضات الممالك السفلية وعشائرها يرتكز بالأساس على تقليل الكثافة الطينية للجسد؛ فالصيام الروحاني ليس مجرد جوع وعطش، بل هو صيام الجوارح والأفكار والدم عن الأخلاط الحارة والثقيلة لتتحرك روحك بحرية وخفة في عوالم الغيب.
إن الكثير من المبتدئين في هذا الزمان يظنون أن رياضة الخلوة تصح مع ملاء البطون بملذات الطعام والشراب، وما علموا أن العشائر الأرضية تنفر من رائحة فضلات اللحوم في جسد الطالب، وتتخذ منها ثغرة لتسليط العوارض والتخييلات المظلمة عليه لإفساد عمله.
حقيقة الصيام الروحاني وشروطه الطاهرة في مدرسة سر البصيرة
لكي تشرع في دخول خلوات هذا الديوان المبارك يا ولدي وتنال سر الفتح الصافي، لا بد لك من إحكام الصيام الروحاني بشروطه الصدرية الصحيحة. الصيام الروحاني عندنا يبدأ قبل خلوتك بثلاثة أيام، ويمتد طوال فترة الرياضة، وله ضوابط دقيقة تحبس طاقة الجسد الحيواني لتتحرر طاقة الروح النوراني.
تتجنب امتناعاً تاماً كل ما خرج من الروح أو كان فيه روح، ونعني بذلك اللحوم بجميع أنواعها، والأسماك، والألبان، والأجبان، والبيض، والسمن الحيواني، وحتى العسل إن شابهت صناعته طاقة النحل الحادة. ويكون إفطارك وسحورك معتمداً على نباتات الأرض الباردة واللطيفة مثل خبز الشعير الطاهر، والزيتون الخالص، والتين المجفف، والزبيب، وبعض البقوليات المطبوخة بالماء والملح الخفيف دون توابل حارة.
أثناء هذا الصيام، تحبس لسانك عن فضول الكلام واللغو والمجادلة مع أهل الدنيا، وتحبس بصرك عن النظر إلى زخارف الحياة الفانية، وتداوم على الاستغفار والذكر ليتحول دمك إلى مسار طاقي صافٍ يجذب الأرواح الخيرة ويدمر العوارض المظلمة.
كيفية توزيع طاقة الجسد أثناء الرياضة والصيام
لكي تحافظ على توازن طاقة جسدك ولا تصاب بالخمول أو الصداع الحاد أثناء الصيام الروحاني يا ولدي، اتبع هذه القواعد الموزونة المكتوبة بخطنا الواضح الكبير:
أولاً: تقنين شرب الماء، لا تسرف في شرب الماء البارد دفعة واحدة عند الإفطار، بل اشرب ماءً معتدل الحرارة (ويفضل أن يكون من مياه السبعة الطاهرة) على دفعات صغيرة وبين فترات التلاوة لترطيب الحنجرة وتغذية الخلايا دون إثقال المعدة.
ثانياً: ميزان ساعات النوم الروحاني، تتجنب النوم في الساعات الروحانية المخصصة لهبوط الملوك، وتجعل نومك في فترات القيلولة النهارية بالقدر الذي يمسك قوتك، فالنوم الكثير في الخلوة يفتح باب التلبيس والمنامات الفاسدة.
ثالثاً: تنظيف الجسد بماء الورد، تقوم بمسح مفاصل جسدك (الرسغين، الركبتين، الرقبة، وخلف الأذنين) بقطرات من ماء الورد الممزوج بالمسك الأبيض يومياً، لتعطير مسامات الجلد وطرد طاقات العرق الحارة التي تجذب العمار المؤذين.
رابعاً: التحصين اللفظي قبل تناول القوت، عندما تمد يدك لتناول طعام إفطارك البسيط، قل بسم الله النور الهادي، ونوّر جسدي بنور الحكمة، واجعل هذا القوت قوة لي على طاعتك، وبذلك تمنع طاقات الجان العابر من مشاركتك في قوتك الروحاني.
علامات طرد العوارض المظلمة ونقاء الهالة الجسدية
يا طالب العلم، إن جسدك إذا بدأ يتطهر بالصيام الروحاني الصحيح وتخلص من الأخلاط الثقيلة، ستظهر عليك علامات نقاء واضحة يشعر بها الحكيم في خلوته تنبئ بفرار العوارض المظلمة وتأهب هالتك لاستقبال ملوك الممالك السفلية بالحق، فلاحظ الآتي:
العلامة الأولى: زوال الثقل والخمول التام من جسدك، فتشعر بخفة عظيمة في حركتك وكأنك تطير فوق الأرض، ويقل احتياجك للنوم تدريجياً مع بقاء نشاطك الذهني والروحي في أعلى درجات اليقظة.
العلامة الثانية: خروج حرارة زائدة أو عرق بارد من كفيك وقدميك في الأيام الأولى من الصيام، وتلك علامة انصهار العوارض والنحوسات القديمة وخروجها من مسامات الجسد طردًا بلا رجعة.
العلامة الثالثة: صفاء حدقة العين وتحول بياضها إلى ناصع الصبغة، وصعود أبخرة البخور في خلوتك مستقيمة وصافية، مما يدل على خلو هالتك المحيطة بك من طاقات التكدير والظلمة.
احفظ يا ولدي هذا المقال السادس عشر، واعلم أن الصيام الروحاني هو سيفك المصقول لترويض النفس الأمارة بالسوء؛ فمن ملك بطنه ملك ناصية روحه، ومن تحرر من قيد الطين انقشعت له حجب السبع الطباق بالحق والتمكين.