أذكار الركوع والسجود في الصلاة من السنة الصحيحة
مقدمة
الركوع والسجود من أعظم مواضع الصلاة، ففي الركوع يعظّم المسلم ربّه ويسبّحه، وفي السجود يزداد خضوعًا لله تعالى ويدعوه ويرجو رحمته ومغفرته. وقد وردت عن النبي ﷺ أذكار متعددة في هذين الموضعين، تجمع بين التسبيح والثناء والاستغفار والدعاء. وفي هذا المقال نتعرف على أبرز الأذكار الثابتة في الركوع والسجود، مع توثيق مصادرها وبيان معانيها.
أولًا: ماذا يقول المسلم في الركوع؟
من أشهر أذكار الركوع قول المصلي:
سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ.
ومعناه تنزيه الله تعالى عن كل نقص، وتعظيمه والإقرار بجلاله وكماله. وقد ثبت هذا الذكر في أحاديث صفة صلاة النبي ﷺ، ومن ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم، حديث رقم 772، وفيه وصفه لصلاة النبي ﷺ وذكره في الركوع «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وفي السجود «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى».
ويُشرع للمصلي أن يطمئن في ركوعه، ويعظّم الله بهذا الذكر، ولا يكتفي بمجرد الانحناء السريع الذي لا تتحقق معه الطمأنينة. وقد جاءت في السنة أذكار أخرى صحيحة يمكن أن يقولها المسلم في الركوع، ومنها:
سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 487. ومعنى «سبوح قدوس» أن الله منزّه عن كل نقص، عظيم الطهارة والكمال، وهو رب الملائكة وجبريل عليه السلام.
ثانيًا: دعاء الركوع «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 794.
الذكر مكتوبًا:
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
يجمع هذا الذكر بين تنزيه الله وحمده وطلب المغفرة منه. وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يكثر من هذا الذكر في ركوعه وسجوده، امتثالًا لما جاء في القرآن من التسبيح والاستغفار. وهو من الأذكار الصحيحة التي يستطيع المصلي أن ينوع بينها وبين غيرها من الأذكار الثابتة.
ثالثًا: ماذا يقول المسلم في السجود؟
من أشهر أذكار السجود قول المصلي:
سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى.
ومعناه تنزيه الله تعالى وتعظيمه، والإقرار بعلوّه وكماله. وقد ثبت هذا الذكر في حديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم، حديث رقم 772.
ويختلف موضع هذا الذكر عن ذكر الركوع؛ فيقول المسلم في الركوع «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود «سبحان ربي الأعلى». ويستحب له أن يطمئن في سجوده، ويستحضر معنى الخضوع لله تعالى، فلا يجعل السجود حركة سريعة خالية من الطمأنينة.
ومن الأذكار الصحيحة التي تقال في السجود أيضًا:
سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
وهو ذكر ثابت في صحيح مسلم، كما سبق، ويجوز للمصلي أن ينوع بين الأذكار الثابتة الواردة في هذا الموضع.
رابعًا: دعاء السجود وفضل الإكثار من الدعاء فيه
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ». رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 482.
يدل الحديث على فضل الدعاء في السجود، وأنه موضع عظيم يرجى فيه قبول الدعاء. لذلك يُستحب للمسلم أن يكثر من الدعاء في سجوده، فيسأل الله المغفرة والرحمة والهداية والعافية وصلاح الأهل والأبناء، وسائر الخير في الدنيا والآخرة.
وينبغي التمييز بين التسبيح المأثور والدعاء؛ فالتسبيح من الأذكار الأساسية في هذا الموضع، ويستطيع المسلم أن يضيف إليه الدعاء بما يحتاج إليه من الخير، مع مراعاة أحكام الصلاة وما قرره أهل العلم في الدعاء أثناءها.
خامسًا: دعاء آخر ثابت في الركوع والسجود
ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده:
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 794، كما ورد في صحيح مسلم ضمن أحاديث صفة الصلاة. وهذا الذكر يجمع التسبيح والحمد والاستغفار، وهو مثال واضح على أن أذكار الركوع والسجود ليست محصورة في صيغة واحدة.
ومن المهم أن يتعلم المسلم الأذكار الواردة بألفاظها الصحيحة، وأن ينوع بينها من غير أن يعتقد وجوب قول جميعها في ركعة واحدة، أو أن يخصص لكل ذكر عددًا ثابتًا لا دليل عليه.
سادسًا: هل يجوز الدعاء بأمور الدنيا في السجود؟
السجود موضع يُشرع فيه الإكثار من الدعاء، وقد دل على ذلك الحديث الصحيح السابق. أما تفاصيل الدعاء بأمور الدنيا داخل الصلاة، وما يجوز منه وما لا يجوز، ففيها تفصيل فقهي؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يلتزم بالدعاء المشروع، وأن يسأل الله الخير في دينه ودنياه، وأن يتجنب الألفاظ المحرمة أو ما لا يليق بمقام الصلاة.
ولا ينبغي أن يعتقد أن دعاءً معينًا أو عددًا معينًا من التسبيحات يضمن حصول مطلب دنيوي بعينه ما لم يثبت دليل شرعي بذلك. فالعبادة مبناها على الاتباع والإخلاص، والدعاء سؤال لله تعالى ورجاء لفضله، وليس وسيلة لضمان النتائج.
سابعًا: أخطاء ينبغي تجنبها في الركوع والسجود
من الأمور التي ينبغي الانتباه إليها أن يطمئن المصلي في الركوع والسجود، وأن يؤديهما على الوجه المشروع. ومن الأخطاء الشائعة الاستعجال الشديد في الحركات، أو الانشغال بترديد الأذكار دون استحضار معانيها، أو الاعتقاد أن صيغة واحدة هي الوحيدة الصحيحة مع ثبوت صيغ أخرى عن النبي ﷺ. كما ينبغي تجنب نشر أذكار منسوبة إلى النبي ﷺ دون التحقق من مصدرها ودرجتها.
والأصل أن يحرص المسلم على صحة الصلاة وطمأنينتها، وأن يتعلم صفتها من الأحاديث الصحيحة وشروح أهل العلم الموثوقين.
خاتمة
أذكار الركوع والسجود تجمع بين تعظيم الله تعالى وتسبيحه وحمده والاستغفار منه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن من أذكار الركوع «سبحان ربي العظيم»، ومن أذكار السجود «سبحان ربي الأعلى»، كما ثبتت صيغ أخرى صحيحة يمكن للمسلم أن ينوع بينها. والسجود كذلك من أعظم مواضع الدعاء، فينبغي اغتنامه بسؤال الله المغفرة والهداية والرحمة وسائر الخير. نسأل الله أن يرزقنا الخشوع في الصلاة، وأن يتقبل عبادتنا، ويغفر لنا ذنوبنا.
يسعدنا دائماً الإجابة على أسئلتكم وتقديم الدعم الشرعي المناسب. يمكنك التواصل معنا مباشرة وطرح استفسارك الآن.